جديد الموقع

»» »» فرضية حج بيت الله ( الخطب المكتوبة ) »» »» يا ذاكر الأصحاب كن متأدبا ( الأناشيد الإسلامية ) »» »» هذا عمر - This Omar ( الأناشيد الإسلامية ) »» »» ما هم بأمة أحمد ( الأناشيد الإسلامية ) »» »» فتهجد به 2 - عبدالرحمن الفقى.flv ( النابغة عبد الرحمن الفقي ( أبو محمد الأثري ) ) »» »» الحلقة الأخيرة ( السيرة النبوية للشيخ نبيل العوضي ) »» »» فقـه الحـج ( المقالات ) »» »» مصحف القارئ عبدالمحسن الحارثي برابط يدعم الإستكمال ( مصاحف كاملة برابط واحد مباشر ) »» »» سورة الناس ( مصحف القارئ عبدالمحسن الحارثي ) »» »» سورة الفلق ( مصحف القارئ عبدالمحسن الحارثي )
العام الهجري الجديد | شبكة أحباب الله
عرض المقالة : العام الهجري الجديد

الصفحة الرئيسية >> المقالات

اسم المقالة: العام الهجري الجديد
كاتب المقالة: سعد البريك
تاريخ الاضافة : 24/11/2011
الزوار: 1278
التقييم: 0.0/5 ( 0 صوت )

عام كامل يطوي بساطه، ويقوَّض خيامه، ويشد رحاله بعد أن تصرَّمت أيامه وتفرَّقت أوصاله، حوى بين جنبيه حِكْماً وعبراً، وأحداثاً وعظات. كم من طفل تيتَّم، وكم من امرأة ترملت، وكم من متأهل تأيم ، وكم من مريضٍ عوفي، وكم من سليمٍ في التراب ووري ، وكم من أهل دار فرحوا بمولود، وآخرين تعزَّوْا بمفقود ، كم من أتراحٍ انقلبت أفراحاً ، وكم من أفراحٍ انقلبت أتراحاً ، أيام تمر على أصحابها كالأعوام، وأعوام تمر على أصحابها كالأيام.

عام كامل مضى بعد أن سار بنا حثيثاً ليبعدنا عن الدنيا ويقربنا إلى الآخرة، يباعِدُنا من دار العمل ويقربنا من دار الجزاء. أخرج البخاري في صحيحه عن علي رضي الله عنه : ( ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة،ولكل منهما بنون،فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا. فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل ) .

نسير إلى الآجال في كل لحظة وأعمارنا تطوى وهنَّ مراحل ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيـام وهن قلائــل عام كامل ينقضي والناس ما بين مبتهج برحيله ومحزون على فراقه.فالسجين يفرح بانسلاخ عامه ؛ لأنه يقرّب فرَجه : أعد الليالي ليلة بعد ليلة وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا وآخر يفرح بانقضاء العام ، ليقبض أجرة مساكن وممتلكات أجّرها. وآخر يفرح بانقضاء عامه من أجل ترقية وظيفية . وأقوام يحزنون على فراقه لأنه طوى مرحلة من أعمارهم وقربهم إلى آجالهم وأدناهم إلى لحظة لا يدرون ما مصيرهم فيها إما إلى جنة وإما إلى نار ، وهم مشفقون مما أودعوه فيه من الأعمال { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً } .

إنا لنفرح بالأيام نقطعهــــا وكل يوم مضـى يدني من الأجل

فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العمـل وإن أهم ما نودع فيه هذا العام ، هو محاسبة النفس فنتصفّح ما صدر من أفعالنا ، فإن كانت محمودةً أمضيناها وأتبعناها بما شاكلها وضاهاها ، وإن كانت مذمومةً استدركناها بالتوبة وانتهينا عن مثلها.{إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ} .

قال الفاروق رضي الله عنه : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر{ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيةٌ }.( حلية الأولياء لأبي نعيم، 2/157) . يقول ابن القيم رحمه الله : ( المحاسبة أن يميز العبد بين ماله وما عليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه؛ لأنه مسافرٌ سَفَرَ من لا يعود). ( مدارج السالكين، 1/187 ) .

إن غياب المحاسبة أو الغفلة عنها نذير غرق الأمة في لجج الفساد والتيه المنتهية بنزول العقوبة في الدنيا ونارٍ وقودها الناس والحجارة في الآخرة ، وإنما تنتشر المعاصي حينما لا يتوقع المجتمع أو الفرد حساباً فينطلقون في حركاتهم كما يحبون ويموجون كما يشتهون بلا زمام ولا خطام { إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا كِذَّاباً } .

وبالمحاسبة يطلع العبد على عيوب النفس ونقائصها ومثالبها، ومن اطلع على عيوب نفسه، أنزلها منزلتها الحقيقية مما يورثه تذلّلاً لله وعبودية له عز وجل، فلا يمنّ بعمله مهمـا عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر. قال أبو الدرداء رضي الله عنه : (لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدَّ مقتاً).(الزهد للإمام أحمد 196).

وبالمحاسبة يتعرّف العبد على حق الله تعالى عليه وعظيم فضله ومنّه؛ فيقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكـون ذلك رادعاً له عـن كل فعل مشين وقبيح ؛ ويوقن أن النجـاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، وأنه من حقّه سبحانه أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.

والمحاسبة تزكي النفس وتطهرها وتلزمها أمْر الله تعالى { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا} قال مالك بن دينار رحمه الله : ( رحم الله عبداً قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائداً ) . ( إغاثة اللهفان لابن القيم 79).

يقول ابـن الـقـيـم رحمـه الله محذراً من إهمال محاسبة النفس : ( أضرّ ما على المكلّف الإهمال وترك المحاسبة، والاسـتـرسال، وتسهيل الأمور وتمشيتُها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويُمَشّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنسَ بها وعسر عليه فطامها) . ( إغاثة اللهفان 82).

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضـاع وإن تفطمه ينفطـم فاحـذر هواها وحـاذر أن توليـه إن إلهـوى ما تولى يعم أو يصـم وراعها وهي في الأعمـال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم كـم حسـنت لـذة للمـرء قاتلـة من حيث لم يدر أن السم في الدسم وخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضـاك النصـح فافتهم قال الحسن البصري رحمه الله : ( المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنّما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنّما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة ) .

وقال ميمون بن مهران رحمه الله : ( إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة شريكه ) . ( الزهد لوكيع بن الجرّاح تحقيق الفريوائي 501).

والمحاسبة أنواع : الأول : محاسبة قبل العمل، وهي: فلا تبادر بالعمل حتى يتبيّن لك رجحانه على تركه.

قال الحسن: ( كان أحدهم إذا أراد أن يتصدّق بصدقة تثبّت؛ فإن كانت لله أمضاها، وإن كانت لغيره توقّف).( مقاصد المكلفين فيما يتعبّد به لربّ العالمين، للدكتور عمر الأشقر 429 ، بتصرّف).

 

النوع الثاني من أنواع المحاسبة : المحاسبة بعد العمل : فيحاسب نفسه على التقصير في الطاعات ، هل أدّاها على الوجه الأكمل مخلصاً فيها لله متبعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسدّ الخلل بالنوافل فإنها تُعوض النقص في الفريضة وتنمي لدى العبد حب العبادة .

وبعد أن يحاسب نفسه على التقصير في العمل ينتقل إلى محاسبتها على معاصيها .

قال ابن القيم رحمه الله : ( وبداية المحاسبة أن تقايس بين نعمته عز وجل وجنايتك؛ فحينئذٍ يظهـر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمتُه أو الهلاكُ والعطب. وبهذه المقايسة تعلم أنّ الرّب ربّ والعبدَ عبد، ويتبيّن لك حقيقةُ النفس وصفاتُها وعظمةُ جلال الربوبّية وتفرّدُ الربّ بالكمال والإفضال، وأنّ كل نعمة منه فضل وكلّ نقمة منه عدل... فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كلّ شرّ وأساس كلّ نقص وأنّ حدّها: أنها الجاهلةُ الظالمةُ، وأنّه لولا فضل الله ورحمتُه بتزكيته لها ما زكت أبداً. ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصولٌ إلى خير البتة؛ فهناك تقول حقاً: أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي).( جامع العلوم والحكم شرح الحديث الأول ) .

وبعد المحاسبة ينتقل إلى الثمرة والنتيجة هي تكفير تـلـك المعصية، فيتدارك نفسه بالتوبة النصوح وبالاستغفار والحسنات الماحيةِ والمذهبة للسيئات.

قال سبحانه{ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ } .

ومن المحاسبة : محاسبة النفس على أمرٍ كان تركُه خيراً من فعله، أو على أمرٍ مباح ، ما سبب فعلِه له؟ .

أورد أبو نعيم بسنده عن الحسن قوله: ( إنّ المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبُه فيقول: واللهِ إنّي لأشتهيك، وإنّك لمن حاجتي؛ ولكن ما من صلةٍ إليك، هيهات!! حيل بيني وبينك.

ويفرط منه الشيء (يقع في الخطأ) فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردتُ إلى هذا، وما لي ولهذا؟ ما أردتُ إلى هذا، وما لي ولهذا؟ واللهِ ما لي عذرٌ بها، وواللهِ لا أعود لهذا أبداً.

إن المؤمنين قومٌ أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله عز وجل يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كلّه).( مدارج السالكين 1/188) .

ولقد سطر السلف رحمهم الله في محاسبة النفس أروع النماذج ؛ فقد كانوا أجساداً في الأرض وقلوباً في السماء، وما إن يحصل من أحدهم تقصير أو زلّة إلا ويسارع في معالجة خطئه، ومعاقبة نفسه على ذلك؛ حتى لا تكاد تأمره نفسه إلا بخير.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعتُه يقول وبيني وبينه جدار : عمر!! أمير المؤمنين!! بخٍ بخٍ، واللهِ بُنَيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذبنّك) . ( حلية الأولياء 2/157، وذم الهوى 40).

وجاء رجل يشكو إلى عمر رضي الله عنه وكان مشغولاً فقال له: أَتَتْركون الخليفة حين يكون فارغاً حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه؟ وضربه بالدرّة، فانصرف الرجل حزيناً، فدعا به عمر رضي الله عنه وأعطاه الدرّة، وقال له: (اضربني كما ضربتُك) فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك. فقال عمر رضي الله عنه : (إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقّك) .

فقال الرجل: تركته لله. فانصرف عمر رضي الله عنه إلى منزله فصلّى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: (يا بن الخطاب: كنتَ وضيعاً فرفعك الله، وضالاً فهداك الله، وضعيفاً فأعزّك الله، وجعلك خليفةً فأتى رجلٌ يستعين بك على دفع الظلم فظلمتَه .

ما تقول لربّك غداً إذا أتيتَه؟ وظلّ يحاسب نفسَه حتى أشفق الناس عليه) . ( مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابن الجوزي 171) .

وقال إبراهيم التيمي: ( مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أيّ شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أُردّ إلى الدنيا فأعمل صالحاً! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي ) .

الليالي والأيام خزائن للأعمال ومراحل للأعمار، تبلي الجديد وتقرب البعيد، أيام تمر وأعوام تتكرر، وأجيال تتعاقب على درب الآخرة، فهذا مقبل وهذا مدبر، وهذا صحيح، وهذا سقيم، والكل إلى الله يسير. سئل أبو حازم: كيف القدوم على الله، قال: ( أما المطيع فكقدوم الغائب على أهله، وأما العاصي فكقدوم العبد الآبق على سيده ) .

فلننظر في صحائف أيامنا التي خلت، ماذا ادخرنا فيها لآخرتنا، ولنحاسب اللسان على ما نطق والعين على نظراتها ، والأذن على استماعها ، والقدم على مشيها ، واليد على بطشها .

بكى يزيد الرقاشي عند موته فقيل له لم تبكِ، قال: ( أبكي على قيام الليل وصيام النهار ثم أجهش بالبكاء وهو يردد: من يصلي لك يا يزيد؟ من يصوم لك؟ من يتوب عنك من الذنوب؟ ) .

فإلى متى نسبح في بحار الغفلة، ونسير مع رياح الهوى . عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّه ".

أمة الإسلام : إن انصرام هذا العام يذكرنا بحدث جلل غير وجه التاريخ وفرق بين الحق والباطل ويثير في النفوس معاني الكفاح والصبر على الدعوة ، حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فائزًا منتصرًا لا كما يتوهم أنه خرج عليه الصلاة والسلام فارًا بدينه ذلة أو صغاراً { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذا هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} فسمّاه الله عز وجل نصرًا .

ورد في الصحيح أنه لمّا دخل هو وأبو بكر رضي الله عنه الغار وجاءت صناديد قريش خلفهما حتى وقفوا على الباب قال أبو بكر رضي الله عنه : لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا . فقال صلى الله عليه وسلم ثقة بربه ويقيناً بنصره ومعيته:" يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ".

تقول عائشة رضي الله كما في صحيح البخاري : (لم أعقل أَبَوَيَّ قط إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر عليّنا يوم إلا يأتينا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ، فلما ابتلي المؤمنون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة فقال له: أين تريد يا أبا بكر؟ قال: أسيح بأرض الله ، فقال له ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرج ولا يُخْرج ، فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكلّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك .

فرجع فطاف ابن الدغنة على قريش عشية فقال: إن أبا بكر لا يَخرج ولا يُخرج، فإنه يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكَل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ، فلم تكذبه قريش في جواره وقالوا له: مُرّ أبا بكر فليصل بداره وليقرأ ما شاء في داره ولا يظهرن ذلك فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فأمره ابن الدغنة بذلك فكان أبو بكر الصديق في بداية الأمر يصلي في داره ويقرأ القرآن ثم بدا له أن يبني مسجدًا خارج داره فكان يقف ويقرأ القرآن.

قالت عائشة: وكان أبا بكر رجلاً بكاءًا إذا مرَّ على القرآن بكى فتلتف النساء والصبيان حوله فيستمعون إلى قراءته فلما سمعت قريش بذلك جاءت إلى ابن الدغنة وقالت: إنا كرهنا أن نخرج عليك جوارك فمر أبا بكر أن يكون في داره أو ليرد عليك ذمتك ، فرجع ابن الدغنة إلى أبي بكر الصديق فأخبره بالخبر فقال: أرد عليك جوارك فإني في جوار الله عز وجل فمكث أبو بكر الصديق على ذلك يقاسي ما يقاسي من أذى قريش حتى جاء الفرج من الله تعالى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة فقال: كأني أنظر إلى مُهاجَرِكم في نخل بين حرتين قال الصحابة رضي الله عنهم : كنا نظن أنها هَجَر أو اليمامة فإذا هي المدينة فخرج الصحابة رضوان الله عليهم واستعد أبو بكر رضي الله عنه للهجرة فقال له صلى الله عليه وسلم : أمسك ، فقال: لمَ يا رسول الله؟ فقال: إني أرجو أن يأذن لي ربي بإذن فقال: الهجرة؟ قال: نعم ، فقال له أبو بكر: الصحبة يا رسول الله ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : نعم. فأخذ أبو بكر الصديق رضي الله عنه راحلتين فعلفهما بورق التمر (بالخبط) مدة أربعة أشهر. قالت عائشة رضي الله عنها: بينما نحن جلوس عند أبي بكر الصديق جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة ما كان يأتينا فيه فقال القائل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قدم فقال أبو بكر رضي الله عنه : بأبي هو وأمي والله ما قدم الساعة إلا في أمر فقال له رسول الله رضي الله عنه وكان متقنعًا اخرج إليّ ، فقال: يا رسول الله ، إنما أهلي أهلك فقال صلى الله عليه وسلم : " إني أُمرت بالخروج" قال: الصحبة يا رسول الله، فقال: نعم ، قال: خذ أحد هذين البعيرين فقال صلى الله عليه وسلم : بالثمن ، فقال: بالثمن ، قال: نعم ، فأعطاه الراحلة .

قالت عائشة رضي الله عنها: فجهزناهما أحسن جهاز ، ووضعنا لهما سفرةً في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ، فبذلك سميت ذات النطاقين ، قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بغار في جبل ثور فمكث فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلا وعاه ، حتى يأتيهما حين يختلط الظلام وكان يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيذهب عليها حتى تذهب ساعة من العشاء ليطمس آثارهما ، فيبيتان في رسل وهو لبن مِنْحِتَهِما حتى ينعق بهما عامر فهيرة حين تذهب ساعة من العشاء حين يغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث .

فاستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رجلاً من بني الديل هاديًا خريتًا ـــ والخريّت الماهر بالهداية ـــ وهو على دين الكفار فأمِناه فدفعا إليه راحلتهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة فأخذ معهم طريق الساحل ـ أي الطريق الذي لا تفطن إليه قريش ـ ولمّا غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الطريق مَرّ على بني مدلج وفيهم سراقة بن مالك بن جعشم فجاء إليه رجل فقال: فكأني بمحمد وصاحبه قد مَرّوا بكم قال سراقة بن مالك بن جعشم : إنما هما فلان وفلان رأيناهما بأعيننا ، فذهب فلبث هنيهةً ثم أمر جاريته بأن تُعد له فرسه فركب فرسه وانطلق في آثارهما فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه على مد البصر، فإذا فرسه تخر في الأرض قال : فاستخرجت الأزلام فاستقسمت بها ــــ أخرج أزلامه كما كانت تفعل قريش ــــ فأقسم بها فخرج الذي أكره فخالفتها ــــ أي خالف الأزلام التي خرجت بما يكره ، فذهبتُ في إثرهما فخارت فرسي في الأرض أكثر من الأول فعلمت أنه سيظهر أمره ، وفي رواية: أنه لما قرب منهما في الثانية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وكان أبو بكر رضي الله عنه يلتفت يمنة ويسرة خوفًا على الرسول عليه الصلاة والسلام. قال سراقة بن مالك: فناديت فيهما بالأمان ، فقربت منهما وقلت لهما: إن قريشًا قد أعدت مائة من الإبل في إثركما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ".

ثم قال له : غَمِّم علينا فكان سراقة بن مالك يدل الناس على غير طريقه عليه الصلاة والسلام ، فكان في أول النهار طالبًا لهما وفي آخر النهار حارسًا عليهما .

وحدَّث أنس رضي الله عنه عن أبي بكر رضي الله عنه قوله كما عند البخاري : فنزلنا عند شجرة لها ظل ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم امكث حتى آتيك وكان يحرسه صلى الله عليه وسلم فذهب إلى راعي غنم يرعى غنمات له فقال: لمن هي ؟ فقال لرجل من أهل مكة أو المدينة ، فطلب منه اللبن ، فحلب له فوضعه في إداوة وأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فوجده نائمًا فكره أن يوقظه ، فلما استيقظ صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: فصببت عليه الماء حتى برد من أسفله فأعطيته النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أنه قد شرب من اللبن ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : متى الرحيل؟ فقلت: الآن يا رسول الله ، وكان أبو بكر الصديق أسنَّ من النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا رآهما الرائي أقبل على أبي بكر فقال : من هذا الذي بين يديك فكان الصديق رضي الله عنه يقول: هادٍ يهديني الطريق فيظن أنه الطريق ، حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة وكانت الأنصار من الأوس والخزرج من بني عمرو بن عوف يخرجون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في كل يوم حتى وقت الظهيرة فإذا اشتد الحر عادوا ، حتى كان يوم هجرته صلى الله عليه وسلم فرآهما رجل من اليهود فلم يتمالك نفسه أن صرخ في بني عمرو بن عوف: أيها العرب هذا جدكم ، فأقبلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا لا يعرفونه فظنوا أنه أبو بكر الصديق فكانوا يُقبِلون على أبي بكر يصافحونه ظنًا منهم أنه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أتت الشمس على النبي صلى الله عليه وسلم فوضع الصديق رداءه عليه فعرفوا أنه عليه الصلاة والسلام فأقبلوا عليه يسلمون عليه ويقبَّلونه صلى الله عليه وسلم .

أمة الإسلام : إن هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم معين يمد المسلمين بالعبر والعظات والدروس والتوجيهات، فقد شاء الله تعالى أن تكون بأسباب مألوفة للبشر، يتزود فيها للسفر، يركب الناقة، ويستأجر الدليل، ولو شاء الله لحمله على البراق، ولكن لتقتدي به أمته، لتأخذ بأسباب السلامة والعز والنصر .

وإن حال المسلمين في العالم يوجب الاستفادة من معاني الهجرة النبوية، فلن يصلح حال المسلمين في هذا العصر إلا بالأمور التي صلح بها السلف الصالح، من الإيمان الحق، والتوحيد الخالص، والخلق الكريم، والصدق مع الله، والتوكل عليه، والصبر على المكاره .

ومن حادثة الهجرة نستفيد دروساً كثيرة وعبراً عظيمة : منها: أن المسلم مأمور بعبادة ربه كل وقت وحين ولو حيل بينه وبين ذلك في مكان إقامته وجب عليه الخروج إلى أرض الله الواسعة ليعبد ربه { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلأرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً } .

واستثنى الله عز وجل الذين لا يستطيعون الخروج من النساء والأطفال فقال{ إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاء وَالْوِلْدانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} فالعقيدةَ أغلى من كل شيء ، والتوحيدَ أسمى من أي شيء ، والإيمان خير من القناطير المقنطَرة من الذّهب والفضّة والخيلِ المسوّمة والأنعام والحرث ومن كلِّ متاعِ الحياة الدنيا .

يتجلّى هذا المعنَى بيّنًا في خروجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مع صاحبِه الصدّيق رضي الله عنه مهاجرَيْن من هذا الحِمى المبارَك والحرمِ الآمِن والأرضِ الطيّبة .

عن عبد الله بن عدي بن حمراء رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً على الحزورة فقال :" والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". رواه الترمذي وابن ماجه وهو صحيح .

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكّة: " ما أطيَبَك من بلدٍ وأحبّك إليَّ، ولولا أنَّ قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ ". رواه الترمذي.

ومن دروس الهجرة : الثقة بنصر الله عند الشدائد وكمَال اليقينِ بمعيّة الله تعالى لعبادِه المؤمنين يقيناً راسخاً لا تزعزِعُه عواصِف الباطل، ولا يُزلزِله إرعادُ أهلِه ولا إبراقهم، ولا يهزّه تهديدُهم ولا وعيدهم ، فحين عظُم الخَطب وأحدَق الخطرُ ببلوغ المشركين بابَ الغارِ الذِي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، قال أبو بكر رضي الله عنه : والله يا رسول الله ، لو أنَّ أحدَهم نظر إلى موضعِ قدمَيه لرآنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يَا أبَا بَكر، مَا ظنُّكَ باثنَين اللهُ ثالثُهما".

فأنزَلَ سبحانه مصداقَ ذلك في كتابه { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

وأيُّ معيّةٍ تعدِل معيةَ الله ؟ إنّها الحِصن الحَصين من كلِّ الغوائِل، والعدّة في كلِّ شدةٍ، والدّرع الواقي من سهام البوائِق والشّرور، لكنَّ هذه المعيّةَ الخاصّة التي تكون بالتّأييد والتّوفيق والحِفظ والمعونةِ والنّصر إنّما جعلها الله تعالى لأوليائِه المتّقين المحسِنين الذين بذلوا حقَّ الله عليهم في توحِيده وإفرادِه بالعبادةِ وتركِ الإشراكِ به، ثمَّ بامتثال أوامرِه والانتهاء عمَّا نهاهم عنه.

ومن دروس الهجرة : حفظ الله لرسوله ونصرته لدينه وإعلاء كلمته مع محاولة الكفار قتله والقضاء على دينه. وما يحدث هذه الأيام من محاولات جبارة ماكرة للقضاء على هذا الدين وحفظ الله له رغم الكيد الكبار لأكبر شاهد على تكفل الرب عز وجل بحفظ دينه وإعلاء كلمته {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } .

ومن دروس الهجرة : حب المؤمنين لنبيهم صلى الله عليه وسلم . فقد ورد في بعض روايات قصة الهجرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يمشي تارة أمام النبي صلى الله عليه وسلم وتارة خلفه وتارة عن يمينه وتارة عن شماله، خوفاً من أن يأتيه مكروه فيفديه بنفسه رضي الله عنه .

وهكذا كان بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانوا يفدونه بأموالهم وأبنائهم وأنفسهم وهذا هو حال المؤمنين في كل زمان .

ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم متابعته فيما يأمر به وعدم تقديم أي أمر على أمره صلى الله عليه وسلم . وتلك هي المحبة الحقيقية { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } .

ومن معاني الهجرة : وجوب هجرة القلب إلى الله بمحبته وعبوديته، والتوكل عليه وهجر ما يكرهه وفعل ما يحبه. وهناك هجرة القلب والبدن للسيئات والمعاصي .

عن ابن عمروٍ رضي الله عنهما مرفوعاً : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ". وروى البخاري تعليقاً وابن حبان عنه أيضاً: "المهاجر من هجر السيئات".

ومن دروس الهجرة : أن رابطة العقيدة هي الرابطة التي الحقيقية بين المؤمنين، حيث تتضاءل أمامها الانتماءات القومية والتمايزات القبلية والعلاقات الحزبية، فعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار ، وقضى على العداوة التي كانت مستحكمة بين الأوس والخزرج فانصهر الجميع في بوتقة الإيمان وذابت بينهم العداوات والإحن وتلاشت العصبيات والأعراق .

ومن دروس الهجرة : أثر الشباب العظيم في نصرة الدين ، ففي موقف عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما ، ذلك الشاب الثقف اللقِن , حيث كان يدلج من عند النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فيها , فلا يسمع أمرًا تكيده قريش للنبي صلى الله عليه وسلم إلا وعاه ، حتى يأتيهما حين يختلط الظلام فينقل لهما الأخبار ، وهذا يجلِّي أثر الشباب في الدعوة ودورهم في الأمة ونصرة الدين والملة، فليحذر شبابنا من الدعوات التي تدعو إلى تخديرهم بالشهوات والملهيات وتغييبهم عن ساحات التأثير في الوقت الذي نرجو فيه أن يضطلعوا بمهمات الحفاظ على الدين والقيم، والرباط على ثغور الأخلاق والمبادئ أمام المتغيرات المتسارعة ودعاوَى العولمة والعلمنة .

وفي موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها ما يجلِّي دور المرأة المسلمة في خدمتها لدينها ودعوتها، فعندما كان الصديق رضي الله عنه يحزم الأمتعة ويعدها للسفر لم يجد حبلاً ليربط به زاد الطعام والسقاء فأخذت أسماء رضي الله عنها نطاقها الذي كانت تربطه في وسطها فشقته نصفين وربطت به الزاد ، فسميت ذات النطــاقين رضي الله عنها .

هذا هو دور المرأة المسلمة اتجاه دينها : النصرة والدعوة وإرضاع الأجيال دينهم مع لبنها . لا كما يريد دعاة المدنية الزائفة أهل الشهوات والمآرب الفاسدة الذين أجلبوا على المرأة بخيلهم ورجلهم زاعمين زوراً وبهتانا أن تمسكها بثوابتها وقيمها واعتزازها بحجابها وعفافها تقييد لحريتها ومصادرة لشخصيتها.

وقد انطلت هذه الخدعة على الكثير من النساء فخرجن من بيوتهن يبحثن عن سعادة موهومة وراحة مزعومة في التبرج والسفور ونزع حجاب الحياء ، فكانت النتيجة تلوث الشرف وذهاب الحياء وانتشار المنكرات والزنا والخنا.

ومن الوقفات : أن الله تعالى جعل خاتمة كلِّ عام وفاتحته شهراً محرماً وموطنًا يغتنمه العبد للتوبة وإصلاح الحال والزيادة في الخير. فإنَّه إذا افتتح السنة بالطاعة وختمها بالطاعة يرجى أن يكون ممن قضوا كل عامهم في طاعة .

فتزودوا من الأعمال الصالحة، ولا تغتروا بهذه الدنيا الفانية، واعلموا أنكم راحلون عما قريب ومفارقون لهذه الدنيا، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

قطعتَ شهور العام لهوًا وغفلةً ولم تحـترم فيـما أتيت المحـرَّمـا فلا رجبًا وافـيت فيه بحـقِّه ولا صمت شهرَ الصوم صومًا متمِّما فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة وتبكي عليها حـسرة وتنـدُّما وتستقبل العام الجديد بتوبـة لعلَّك أن تمحـو بها مـا تقـدَّما ما أحوجنا إلى ترجمة هذه المعاني إلى واقع تعيشه الأمة وتترسم معالمه ، سيما في هذا الزمان الذي تعاني فيه ألوان الظلم والعسف والكيد والمكر والاستضعاف .

احتلال وتخريب وتدمير وقتل وتشريد وتهجير وإبعاد وسفك للدماء وغير ذلك .

واعلموا أن لكل أمة تأريخاً يعتزون به ؛ اليهود يعتزون بتاريخهم ، والصينيون لهم تاريخ، والأقباط لهم تاريخ، كل يعتز بتاريخه ويحافظ عليه ، فما بال أمة الإسلام بدأت تتهاون في التدوين بتاريخها.

ذكر أهل السير أنَّ المسلمين لم يكونوا يعملون بالتاريخ السنوي في أوَّل الأمر حتَّى كانت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فجمع الناس واستشارهم، فقال بعضهم: أرِّخوا كما تؤرِّخ الفرس بملوكها، كلَّما هلك ملك أرَّخوا بولاية من بعده، فكره الصحابة هذا الرأي ، وقال آخرون: أرِّخوا بتاريخ الروم، فكرهوا ذلك أيضًا، فقال بعضهم: أرِّخوا من مولد النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وقال آخرون: بل من مبعثه ، وقال آخرون: بل من مهاجره ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان ملهمًا: الهجرة فرَّقت بين الحقِّ والباطل، فأرِّخوا بها.

فالتاريخ الهجري هو تاريخ المسلمين المعتمد الذي انعقد الإجماع على العمل به، وهو من شعائر أهل الإسلام، والرغبة عنه إلى غيره من تواريخ الشرق أو الغرب خروج عن الإجماع، وإظهار شعار من شعائر الكفار واستغناء به ومشاركة في طمس الهوية الإسلامية.

ولا يمكن أن تستقيم عبادات هذه الأمة التي أمرها بها خالقها إلا بالتاريخ الهجري. فعبادات هذه الأمة مرتبطة بهذا التاريخ وغيره لا يصلح لنا.قال تعالى { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } .

فقوله{ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } ، أي: هذا هو الشرع المستقيم، وهذا هو الدين القيم الذي شرعه الله للناس أجمعين، ليس كالشهور الإفرنجيَّة، فإنَّها شهورٌ وهميَّة، فلا هي ممَّا شرع الله في كتاب صريح، ولا هي ممَّا بني على حساب علميِّ صحيح، بل هي شهورٌ اصطلاحيَّة مختلفة، بعضها واحدٌ وثلاثون يومًا، وبعضها ثمانية وعشرون يومًا وبعضها بين ذلك، ولا يُعلم لهذا الاختلاف من سبب حقيقي محسوس أو معقول، ولا مشروع على لسان رسول.

ولهذا طرحت مشروعات في الآونة الأخيرة لتغيير هذه الأشهر على وجه ينضبط، لكنَّها عورضت من قبل الكنيسة ورفضها القسِّيسون رفضًا شديدًا لما لها من معاني دينية عندهم ، فلماذا نتابعهم نحن على ذلك ؟.

قد سئل الإمام أحمد بن حنبل فقيل له: إنَّ للفرس أيَّامًا وشهورًا يسمُّونها بأسماء لا تعرف، فكره ذلك أشدَّ الكراهة.

واعلموا أيها المسلمون أنه لا يجوز أن نحدث عيداً لدخول العام الجديد أو نتبادل التهاني ببلوغه ، لأن ذلك لم يرد عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان خيراً لسبقونا إليه ، وليست الغبطة بكثرة السنين وإنما الغبطة بما أمضاه العبد منها في طاعة مولاه فكثرة السنين خير لمن أمضاها في طاعة ربه، شر لمن أمضاها في معصية الله قال صلى الله عليه وسلم خيركم من طال عمره وحسن عمله ، وشركم من طال عمره وساء عمله".

فلنستقبل أيامنا وشهورنا وأعوامنا بطاعة ربنا ومحاسبة أنفسنا وإصلاح ما فسد من أعمالنا ومراقبة من ولانا الله تعالى عليه من الأهل من زوجات وأولاد بنين وبنات وأقارب.

ولنحرص على ترويض النفس على الكمال والخير ، وفطامها عن الضلال والشر ، فارتفاع النفس ونضوجها لا يتكون فجأة، بل يتكون على مكث، وينضج على مراحل، ويحتاج إلى طول رقابة ووقفات من المحاسبة.

وإنه لا أشد حمقًا ولا أغرق غفلة ممن يعلم أنه يُحصى عليه مثاقيل الذر، وسيواجه بما عمله من خير أو شر، ويظل في سباته العميق لاهيًا، غير مستعتب لنفسه ولا محاسب لها، يمسي على تقصير، ويصبح على معصية .

قال أحد السلف رحمه الله: "من حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه ، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه. ومن لم يحاسب نفسه، دامت خسارته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته" .

واعلموا أنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة . حين انتصر المسلمون على الروم القياصرة في قبرص وفتحوها ، جلس أبو الدرداء رضي الله عنه يبكي فلما سئل: يا أبا الدرداء ، ما الذي يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟! فقال أبو الدرداء: (ويحك يا هذا، ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، تركوا أمرا لله فصاروا إلى ما ترى ) .

ويقول أحد السلف: والله، إني لأعلم ذنوبي حتى في انقطاع شراك نعلي وسير دابتي. ونظر أحد السلف إلى امرأة في السوق فقال له صاحبه: والله، لتجدن غبّها ولو بعد حين، أي: أثر هذا الذنب، فنسي القرآن بعد أربعين سنة من تلك الحادثة. قلّت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبنا فليس ندري من أين نؤتى، والجزاء من جنس العمل.

دع عنك ما قد فات فى زمن الصبـا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسـه الملكـان حيـن نسيتـه بـل أثبتاه وأنت لاه تلعـب والروح منك وديـعة أودعـتهـا ستردهـا بالرغم منك وتسلب وغـرور دنـيـاك التى تسـعى لها دار حقيـقتها متاع يذهـب الليـل فاعلـم و النهــار كلاهما أنفاسنـا فيـها تعد وتحسب الدنيا ظل زائل، وسراب راحل، غناها مصيره إلى فقر، وفرحها يؤول إلى ترح، وهيهات أن يدوم بها قرار، وتلك سنة الله تعالى في خلقه أيامٌ يداولها بين الناس، ليعلم الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، إنما هي منازل، فراحل ونازل، جعل الله ما عليها فتنة للناس ليبلوهم أيهم أحسن عملاً .

روى ابن ماجه والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على شاة ميتةٍ فقال لأصحابه: " أترون هذه الشاة هينة على أهلها" ؟ قالوا: من هوانها ألقوها، فقال صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء".

الدنيا قنطرةٌ فاعبروها، ولا تنازعوا أهل الدنيا في دنياهم فينازعوكم في دينكم، فلا دنياهم أصبتم ولا دينكم أبقيتم. لقد شُغل بها كثير من الناس وغرّهم سرابها وبريقها وزينتها، فراحوا يتهافتون على جمعها ويتنافسون في اكتنازها، ورضوا منها بالإقامة والتمتع بشهواتها وملاذها، وتركوا الاستعداد ليوم الرحيل والعمل لدار القرار، ونسوا أنها في حقيقتها ما هي إلا معبر إلى الدار الآخرة، وميدان يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق فيه المتسابقون.

ولقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يتخوف الدنيا على أصحابه أن تبسط عليهم كما بسطت على من كان قبلهم، فتنافسوها كما تنافسها القوم، فتهلكهم كما أهلكت من كان قبلهم.

قال صلى الله عليه وسلم :" إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ". رواه مسلم.

عجباً للغفلة التي استحكمت على القلوب ، يضحك أحدنا ملء فيه، ولعل أكفانه عند القصّار ينسجها، ويلهو ويلعب وربما ملكُ الموت واقف عند رأسه يستأذن ربه في قبض روحه، يخيّل إليه أنه مقيم مغتبط وهو راحل مفتقد، يساق سوقاً حثيثاً إلى أجله، الموت متوجه إليه والدنيا تطوى من ورائه، وما مضى من عمره فليس براجع عليه .

يقول الحسن البصري رحمه الله: "أدركت أقواماً لا يفرحون بشيء من الدنيا أتوه، ولا يأسفون على شيء منها فاتهم، ولقد كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي يمشون عليه". قدوتهم في ذلك محمد صلى الله عليه وسلم القائل :" مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها ". رواه الإمام أحمد والترمذي.

لا شيء مما ترى تبقى بشـاشتـه يبقى الإله ويفنى المـال والولـد لم تغنِ عن هرمز يومـاً خزائنـه والخلد قد حاولت عادٌ فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح لـه والإنس والجن فيما بينهـا تـردُ أيـن الملوك التي كانت لعزتهـا من كـل أوبٍ إليها وافد يفـد حوض هنالك مورود بلا كذبٍ لابد من ورده يوماً كمـا وردوا .

والحمد لله رب العالمين




روابط ذات صلة

إحياء العزة الإسلامية
عائض الرجل الأسود في البيت الأبيض ..
القادم المنتظر
يا بني اركب معنا
إنها لإحدى العبر..ما حدث للشيخ الشثري عبرة للجميع !!
حسن معاملة الأجير
أطفال العراق من لهم !؟
يا أهل التوحيد لا يسبقكم الناس الى العراق
هل لك من أثر؟
لا غنى عن مجالس الإيمان
ماذا قالت الجماهير لقيادات رام الله؟
تركيا بعيون إسرائيلية من الحليف الاستراتيجي إلى محور الشر
التهذيب الدوري للذات
إلى زوجة داعية
السلعمانيـة !!
ظمأ الشهوة.. وسراب الفاحشة
فقه الأخوة في الله
الحياة .. دار عطاء ٍأم بلاء؟
ضحكه ومزاحه صلى الله عليه وسلم
حكم منوعة
نباح غير مُباح !
بعيداً عن الدنيا قريباً منها
البراطيل تنصر الأباطيل
علاقة الصورة بالشرك بالله !!!
فضل أيّام عشر ذي الحجة
الكرة.. والحنين إلي الجاهلية !
فضل يوم عرفة وحال السلف فيه
فضل يوم عرفة
وقفات مع العيد
يا خطبائنا.. لا تجعلونا نحزن يوم عيدنا
فضل أيام التشريق
أحكام وآداب عيد الأضحى المبارك
فقه شعائر عيد الأضحى
حكم التهنئة بالعيد والصيغ الواردة في ذلك
مات النصراني ..!!



التعليقات : 0 تعليق

القائمة الرئيسية

استراحة الموقع

خدمات ومعلومات

القائمة البريدية

اشتراك

الغاء الإشتراك


انت الزائر : 2783191

تفاصيل المتواجدين
Powered by: mktba 4.6