تابعوا أحباب الله على

  



العودة   ملتقى أحباب الله > ~*¤ô§ô¤*~ الأقــســـــام الإســــــــلامـيـة ~*¤ô§ô¤*~ > ملـتـقى نبي الرحمة

الملاحظات

ملـتـقى نبي الرحمة سيرته , صفاته , سنته , صحابته , آل بيته , و كل ما يتعلق به صلى الله عليه و آله و سلم .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 25-08-2010, 01:48 AM   #1
إحصائية العضو
aboja3far
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية aboja3far
إحصائية العضو


افتراضي من المولد الى فترة رعي الغنم - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية الدرس الثاني





مؤسسة اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي الإعلامية



:: تقـــدم
::





دورة علمية

للشيخ / أبي سعد العاملي حفظه الله


بعنوان


دروس وعبر تربويةمن سيرة خير البرية


الدرس الثاني


]من المولد الى فترة رعي الغنم[




ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم الأب بعدما فقد أباه عبد الله بن عبد المطلب وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه، وقد مات في رحلة تجارية في قبيلة بني النجار وهم أصهاره بسبب مرض ألم به في الطريق.
فكانت بداية المحن لهذا الرسول الخاتم ولماَّ يصل بعد إلى هذه الدنيا.
فما أقسى وأصعب أن يولد المرء يتيم الأب في مجتمع قائم على العصبية أصلاً حيث تكون للأب قيمة كبرى ومكانة عالية في الأسرة العربية الأبية.

لكن الله تعالى يدبر أمره بحكمة لا يعلمها كثير من الناس، يحرم أفضل خلقه وسيدهم من حنان الأبوة، فلابد أن تكون هناك حكمة بالغة لا ندركها بعقولنا وعواطفنا الناقصة القاصرة.

كذلك الحال فيما يخص بقية الخلق من بعده، فلا ينبغي أن نفسر فقدان الأب بأنه حدث كارثي لبنيه من بعده وبأن حياتهم ستكون ناقصة أو جامدة وأنه لا يمكنهم تحقيق أي نجاح فيها كما يفعل غيرهم.

نعم، إن لوجود الأب أهمية كبرى في حياة أبنائه ولكنه ليس شرطاً لكي تتواصل الحياة أو عائقاً لهذه الحياة إن غاب هذا الأب عن مسرح الحياة. وهذا درس عظيم لنا جميعاً لندرك حكمة الله تعالى ونرضى بقضائه فلا تتوقف الحياة بموت الأب أو الأم، ولكي لا تتحول حياة الأبناء إلى كتلة من الأحزان واليأس والجمود، بل لابد من مواصلة هذه الحياة والسعي إلى تحقيق النجاح والاعتماد على الله تعالى ثم على النفس.

فالله سبحانه سُيسخّر لهؤلاء الأيتام الصغار من يعولهم ويقوم بواجباتهم حتى يبلغوا أشدهم .

وتحضرني في هذا المقام قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح " الخضر" وبالضبط في قصتهما مع جدار أهل القرية التي أبوا أن يضيفوهما.

كان في القرية البخيلة غلامين يتيمين، وكان أبوهما ( الجد السابع كما ورد في التفاسير) صالحاً، فأراد الله تعالى أن يكرمهما ويحفظ لهما رزقاً مدفوناً تحت ذلك الجدار، وقد ورد في التفاسير أنه عبارة عن لوح من الذهب كتب عليه حكم وعلم نافع إلى جانب مال وفير، فالعلم رزق سيرثه الغلامان ويجعلهما صالحين مثل أبيهما، وأما المال فهو رزق آخر يمكنهما من تغطية مصاريفهما دون الرجوع إلى مساعدة الآخرين، وتكون أيديهما عالية.
فالعلم والمال وجهان لعملة واحدة، فكلاهما رزق، ونعم المال الصالح للرجل الصالح، فالعلم بدون مال يكون ناقصاً، وكذلك مال بدون علم من شأنه أن يقود صاحبه إلى التبذير وسوء التصرف، وربما إلى المعاصي وإلى الكفر والعياذ بالله.
هنا أيضاً تجلت رحمة الله تعالى بهذين الغلامين، وحفظ لهما رزقهما كما حفظه من قبل لأصحاب السفينة وللأبوين المؤمنين الصالحين، فالرزق قد يكون مالاً حلالاً وقد يكون علماً نافعاً وقد يكون ذرية صالحة، وفي كل الأحوال فهو محفوظ من قبل الله عز وجل ومضمون حينما يتوفر شرط الصلاح.

تماماً كما يسّر الله لرسوله الكريم من يعوله ويتكلف بشؤونه، حيث سخر له في بداية الأمر جده عبد المطلب ثم عمه أبو طالب من بعد وفاة جده، ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ) [الضحى:6-8]، فالله على كل شيء قدير ولا يمكن أن يضيع خلقه أبداً.

من السنة السادسة إلى السنة الثامنة

ألم يجدك يتيماً فآوى

ظل في كنف جده يعتني به ويتخذه في مقام ابنه العزيز عبد الله المفقود، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يفارق جده ويصحبه معه حتى في مجالسه الخاصة التي كان يعقدها مع كبراء القوم في دار الندوة، وهذه خاصية لم تُعط لأقرانه من الصبية.

وتذكرنا هذه المكانة بالتي كانت لسيدنا يوسف لدى أبيه سيدنا يعقوب عليهما السلام ، مكانة متميزة تليق بخاتم النبيين وسيد المرسلين حتى وهو في سن مبكرة، فالله تعالى يحيط رسله وأنبياءه بعناية خاصة تمهيداً لتحميلهم مهمة الرسالة، وفترة الطفولة من أهم المراحل التي تطبع حياة المرء وتظل راسخة في عقله وبإمكانها أن تؤثر على بقية عمره سلباً أو إيجاباً.

تعتبر هذه السن المبكرة من عمر الطفل بالغة الأهمية من أجل التلقين والتأثر بالبيئة التي تحيط به، لذلك وجب الاعتناء بأطفالنا في هذه المرحلة الحساسة جداً، ولا ينبغي القول بأن الطفل ما زال صغيراً وغير قادر على الاستيعاب والتعلم، بل بالعكس تماماً فهو يكون في حالة شغف شديد لالتقاط كل حركة وسكنة ممن يحيط به خاصة والديه، فلنحذر أن نضيع هذه الفترة من عمر أطفالنا فيما لا فائدة من ورائه، فنرمي أطفالنا في أحضان التلفاز أو ألعاب الفيديو المتعددة الأنواع والمخاطر أو في أحضان المربيات في دور الحضانة دون أن نشبعهم الحنان والحب والتوجيه المطلوب، كما ينبغي علينا أن نكون قدوة بأفعالنا وتكون حركاتنا هي الخطاب المناسب لتمرير ما نريده إلى عقول أطفالنا في هذه السن المبكرة.

توفي جده عبد المطلب وانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كنف عمه أبي طالب، وهو الذي خلف أباه عبد المطلب في زعامة بني هاشم وكان أكبر أولاده، كما كان كثير العيال وقليل الدخل مما قد يجعل من قدوم النبي إلى بيته عبءاً مادياً جديداً على كاهل عمه ولكن الله تعالى جعل قدوم محمد عليه الصلاة والسلام قدوم رحمة وبركة على بيت عمه، حيث عمَّت البركة في طعامهم وشرابهم وزاد الله عمه أبا طالب رزقاً وفتح عليه في تجارته.

كما طلب النبي من عمه أن يسمح له بمزاولة عمل يمكِّنه من التخفيف على عمه فكان أن اختار رعي الغنم لقريش مقابل أجر مادي.

ومهنة الرعي حرفة قام بها كل الأنبياء من قبله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "« ‏مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ » فقال: أصحابه: وأنت؟ قال: « نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى ‏ ‏قَرَارِيطَ ‏ ‏لِأَهْلِ مَكَّةَ » [البخاري] .

وسبحان الله العظيم الذي له حِكم كثيرة في هذا الأمر، حيث أن هذه المهنة تحيي وتربي النفوس على سمات كثيرة لابد أن تتوفر في الداعية والقائد على حد سواء، فهذا التوجيه الرباني لأنبيائه لم يكن سدى، بل لتحقيق هذه الغايات في نفوسهم ليكونوا أهلاً لتحمل أمانة الرسالة والدعوة والجهاد.فيمكننا القول أن مهنة الرعي تُعتبر مدرسة للدعاة، ترسخ في نفوسهم مجموعة صفات أهمها:

أولاً : الصبر والأناة
فالراعي ينبغي أن يتحمل القطيع منذ لحظة خروجه من الحظيرة وحرصه على أن يبقى متجمعاً كالجسد الواحد، دون أن يتيه أو يضيع رأس واحد، وهي عملية ليست باليسيرة.
أما في المرعى فلا بد للراعي أن يتسلح بالصبر حتى يشبع كل من في القطيع مع بطئ عملية الأكل وتنقل الأغنام من منطقة إلى أخرى بحثاً عن العشب المناسب لهم.

ثم في نهاية اليوم ينبغي على الراعي أن يصبر على شياهه وغنمه ويحرص على أن تعود كاملة وسالمة إلى الحظيرة. وكذلك الدعاة – ومن باب أولى الأنبياء والرسل – فإنهم أكثر الناس صبراً وتحملاً للناس، على أن يبقوا في دائرة التوحيد ويردوا كل شارد أو خارج عن هذه الدائرة إليها، وما أكثر أنواع التمرد لدى البشر وحبهم للشهوات واندفاعهم نحو سبل الشيطان، رغم أن الكثير منها يكون تحت غطاء شرعي، لكنها من باب لبس الذئب ثوب الواعظين.

ثانياً : الرحمة وحب الخير
من مهمات الراعي أن يرجع بالقطيع شبعاناً في آخر اليوم، ويحرص على أن يبقى سالماً من كل سوء، ويحرص كذلك عن دفع كل المخاطر المادية التي قد تهدد سلامته، بصرف النظر عن الأجر المادي الذي يتقاضاه مقابل هذه المهمة.

فلو شاء لما كلف نفسه عناء البحث عن المرعى المناسب والتنقل المستمر بحثاً عن الغذاء الغني لقطيعه، لكن دافع الرحمة وحب الخير لهذا القطيع يجعله أحرص على تلبية حاجيات قطيعه الغريزية والفطرية.

وهذه صفة نجدها في المرسلين جميعاً وفي الدعاة من بعدهم، الرحمة وحب الخير لكل الناس حتى للمخالفين لهم بل وللمحاربين أيضاً.وقد أراد الله تعالى أن يمارس الأنبياء هذه المهمة لفترة من الزمن لكي تُغرس في نفوسهم تلك الرحمة والشفقة التي سيسكبوها على أتباعهم أو خصومهم على حد سواء، طمعاً وحرصاً على هدايتهم، وقول الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )[الأنبياء 107]، أبلغ وأفضل دليل على أن صفة الرحمة صفة ملازمة لكل الأنبياء، ومن باب أولى للدعاة من بعدهم لكي يحرصوا على هداية الخلق ولا يتركوا جهداً إلا ويبذلوه في هذا السبيل.

ثالثاً : التواضع
ما أجمل أن يملك الإنسان نفسه وما أصعب أن يقهرها بهذه الصورة الفريدة، حيث يكون خادماً لهذه البهائم الضعيفة، ينظف مكان نومها ويقوم على توفير طعامها وشرابها ويداوم على هذا الأمر صباح مساء دون ملل أو فتور.

فهذا هو التواضع الحقيقي الذي يحتاجه الداعية المسلم ليكون خادماً لغيره دون ذل أو انكسار بل بدافع الحب والإيثار، وابتغاء ما عند الله، وتربية هذه النفس على التضحية والفداء أثناء الدعوة بوقته وماله وحظوظ نفسه لكي يصل في النهاية إلى آخر محطة من محطات التضحية وهو التضحية بالروح في سبيل الله.

فالمتواضع يكون بالضرورة كريماً وسخياً بينما يكون المتكبر بخيلاً وحريصاً على ما عنده من ماديات لكي يظل دوماً مترفعاً على غيره.

وقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ‏لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ » فقال رجل: الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ؟ فقال: « إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ ‏ ‏بَطَرُ ‏ ‏الْحَقِّ ‏ ‏وَغَمْطُ ‏ ‏النَّاسِ » .

ولا يمكن أن تتواجد صفة الكبر في نفوس الدعاة إلى الله، لأن ذلك يتناقض مع المهمة والرسالة التي يحملونها، حيث يتوجب على الداعية أن يتنازل عن رغباته وينزل من مستواه ليصطف مع مدعويه قصد الارتفاع بهم إلى حيث ينبغي أن يكونوا.
كما أن صفة الكبر تمنع الإنسان من العطاء وتجعله دوماً مترفعاً على غيره ويتمنى لو يبقى وحده في برجه العاجي بعيداً عن هموم الناس وحاجياتهم.

رابعاً: الشجاعة
من طبيعة عمل الراعي الاصطدام بالوحوش المفترسة، وقطاع الطرق دفاعاً عن قطيعه، مما يُكسبه خبرة في مواجهة الصعاب والتغلب عليها بعيداً عن الناس، وهذا من شأنه أن يُكسبه هيبة عند الناس وثقة في نفسه.

والداعية لابد أن يكون شجاعاً مقداماً ليكبر في أعين الناس ويمنحوه ثقتهم بل وليجعلوه إماماً لهم في السراء والضراء، فما بالك بالأنبياء والرسل وهم يتلقون عن الله تعاليم الشريعة الغراء، ومطالبون بأن يغيروا مجتمعات ونفوساً، وسيلقون في سبيل ذلك كل أنواع الرفض والإيذاء ، وصفة الشجاعة ضرورية في القائد لكي يواجه كل هذا بنجاح ويحافظ على دعوته ويحمي أتباعه.

ولاشك أن تربية أطفالنا منذ صغرهم على ركوب بعض المخاطر وغرس صفات البطولة والإقدام في نفوسهم من شأنها أن تساهم في تكوين رجال قادرين على حمل أمانة الدعوة والجهاد في سبيل الله، ونُبعدهم عن حياة الرغد والدعة ونُعوِّدهم على حياة الخشونة والتقشف المتعمد ليكسبوا هذه الخاصيات ويتعودوا عليها.

خامساً: الاعتماد على النفس في الكسب
من الحكمة أن يتعلم الإنسان منذ نعومة أظفاره كيف يبحث عن كسب عيشه، وفي هذا فوائد كبيرة وعظيمة جداً، أولها أنه يتعلم الاستعفاف في طلب الرزق وعدم الاعتماد على الغير ولو كانوا من أقرب الأقربين ، كما هو الشأن في حالة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان في كنف عمه أبي طالب وهو يعلم أنه كثير العيال كثير النفقة، لذلك سارع إلى البحث عن مهمنة تمكنه من التخفيف عن عمه ومد يد العون له بدلاً من أن يكون عالة زائدة وثقلاً إضافياً على عمه المثقل أصلاً .

من جهة أخرى يدرك المرء قيمة المال والجهد منذ صغره وذلك لكي يقدر جهود والديه ومن يقوم على رعايته، ولكي يقوم هو بدوره على أحسن وجه اتجاه من سيعولهم في هذه الحياة.

إن الله هو الرزاق وقادر على أن يرزق عباده دون أن يأخذوا بالأسباب خاصة نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، ولكنه سبحانه يريد لنا أن نتربى ولا نخرج عن سنن الله في الأخذ بالأسباب وعدم حرق المراحل قبل نضوج الثمرة لكي نقدر قيمة هذه الثمار ونحرص عليها.
ورد في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ‏مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ».
كما أن الذي يعتمد على نفسه في معيشته تكون له استقلالية وحرية في اتخاذ قراراته، ولا يرتبط بالطواغيت الذين يستغلون الجانب المادي لتركيع الناس لسياساتهم ولقوانينهم ، فيتحولوا إلى عبيد لهم بسبب هذا الترابط المادي.
فلا أفضل من أن يكون الداعية بعيداً عن هذه القيود لكي يتمكن من ممارسة دعوته وواجباته الدينية بمعزل عن كل الضغوط.

والمهن الحرة تعتبر اليوم من آخر وأهم الملاذات للمؤمنين والدعاة والمصلحين لكي يُبعدوا عن أنفسهم شبهات وضغوطات وإغراءات الجهات المخالفة ومن يسعون إلى محاربتهم في مجتمعاتهم.
هذه بعض الصفات التي يمكن أن نستخلصها وترسخها مهنة الرعي في نفوس الدعاة والمصلحين، ولا ينبغي أن يُفهم أنها دعوة لممارسة مهنة رعي الأنعام في كل مكان وزمان، ولكننا أردنا فقط أن نقف بعض الأسرار الكامنة وراء هذه المهنة الفاضلة التي مارسها كل الأنبياء بلا استثناء.
لكن بالمقابل نوجه دعوة لكل الدعاة والجماعات الدعوية أن يتدربوا على مهنة القيادة في إطار ضيق ومحدود في انتظار أن يخرجوا للناس فيكونوا أهلاً لمهنة الدعوة والإصلاح كما كان أنبياء الله ورسله من قبلهم.

ووجدك ضالاً فهدى
إن الله تعالى قد حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم من الشرك وعبادة الأصنام, روى الإمام أحمد في مسنده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: حدثني جار لخديجة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول لخديجة: « ‏أَيْ ‏خَدِيجَةُ ‏وَاللَّهِ ‏‏لَا أَعْبُدُ اللَّاتَ أَبَدًا وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ الْعُزَّى أَبَدًا »وكان لا يأكل ما ذبح على النصب، ولم يتعامل بربا قط كما يشرب خمراً ولا أتى زنا وغيرها من المحرمات التي كانت سائدة في مكة.
عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به، إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني الله منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في أغنام أهله يرعاها: أبصر إليَّ غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة، كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء، وضرب دفوف، ومزامير، فقلت: ما هذا؟» فقالوا: فلان تزوج فلانة، رجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا حر الشمس فرجعت فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: فما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته». [1]
وهذا الحديث يوضح لنا بعض الحقائق التي ينبغي الوقوف عليها:

أولاً : أن للبيئة أهمية كبرى في تربية النشء ، فقد تكون سلاحاً ذو حدين في مجال التربية، إما معيناً للمربين من أجل بلوغ وتحقيق أهدافهم التربوية وإما سبباً في هدم كل جهودهم وتعطيل عامل الاستفادة لدى النشء الصاعد.
ومهما يبلغ المرء من درجات التقوى والصلاح فإنه معرض للفتنة والانحراف واتباع الشهوات ولا عاصم له من هذا كله سوى رحمة الله تعالى التي تتدخل في اللحظات الحاسمة لكي تبعد عنه السوء والفحشاء وتفادي السقوط فيهما.

ثانياً: ضرورة اختيار الصحبة الصالحة والابتعاد عن الرفقاء السوء حتى لو كان نتيجة ذلك خسران بعض المكاسب المادية.
فلئن يخسر المرء مادياً ويفوِّت منافع آنية خير من أن يخسر دينه وتكون هذه العلاقات سبباً في شقائه الأبدي. إذ ليس من السهل التخلص من شوائب الجاهلية التي تعلقت بالمرء في صغره، وعليه بالمقابل أن يتشبث بالرفقة الصالحة التي تعينه على دينه حتى لو لم يجد لديها بعض ما تشتهيه النفس من متاع الدنيا، فهذا خير له في دينه ودنياه.
وهذه دعوة للآباء والأمهات على حد سواء أن يختاروا لأبنائهم البيئة المناسبة التي ستساعدهم على تلقين أطفالهم تعاليم دينهم وينشئوهم على طاعة الله وعلى الأخلاق الفاضلة التي تؤهلهم بالتالي إلى بلوغ مراتب الدعاة والمصلحين.

ثالثاً: يظهر هنا حفظ الله ومدده لعباده الصالحين، حيث يصرف سبحانه عنهم السوء والفحشاء ويحبب إليهم الإيمان والصلاح دون أن يقوم المرء بأدنى جهد في ذلك.
إنه اصطفاء من الله واختيار لهذه الزمرة الطيبة التي يرى فيها سبحانه وتعالى بذور الخير فيسقي نفوسهم بالعمل الصالح وقلوبهم بالتقوى والبعد عن الفساد لكي ينصر بهم دينه. مثل ما فعل مع رسوله الكريم حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أدبني ربي فأحسن تأديبي" ومدحه سبحانه وتعالى في قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )[ القلم:4]، ومن قبل ذلك مع كليم الله موسى عليه السلام في قوله تعالى: ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي )[ طه:39].، وقوله تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) [طه:41].
إلى أن نلتقي مع بقية الأحداث التي سبقت بداية البعثة وبدء نزول الوحي،أود أن أذكر إخوتي بأني حاولت تفادي سرد الأحداث بالتفصيل لأنه ليس الهدف والغاية من هذا البحث، حيث بإمكان الإخوة أن يجدوا ذلك في المراجع الأساسية للسيرة النبوية وكذلك في كتب التفسير وغيرها من أمهات الكتب، بينما حاولت أن أقف - ما وجدت إلى ذلك سبيلاً - على أهم الدروس والعبر والوقفات التربوية وراء كل حدث من سيرة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.


ليس هناك شك أن فترة ما قبل الوحي ليست غنية بما نريد من وقفات تربوية ومحاولة إنزال ذلك على واقعنا المعيش، إذ أن فترة التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم تبدأ أساساً من بدء الوحي الذي يشكل منطلق المسيرة الدعوة والجهادية للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه رغم ذلك حاولنا استخراج بعض الوقفات التي نأمل أن تفيدنا في حياتنا الدعوية والجهادية ونحاول تطبيقها على أبنائنا الذين يشكلون الجيل الصاعد وأمل هذه الأمة إن شاء الله.

هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

1-قال ابن حجر في المطالب العالية بعد أن ساق روايةإسحاق بن راهوية من طريق ابن إسحاق : " هكذا رواه محمد بن إسحاق في السيرة ، وهذهالطريق حسنة جليلة ، ولم أره في شيء من المسانيد الكبار إلا في مسند إسحاق هنا ،وهو حديث حسن متصل ورجاله ثقات" .

:::::::::::::::::::::::::::::::::::











وتقبلوا تحيات إخوانكم في :




مؤسسة اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي الإعلامية




شبكة شموخ الإسلام






aboja3far غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 25-08-2010, 06:58 PM   #2
إحصائية العضو
المهاجرة
مهاجرة في الله
 
الصورة الرمزية المهاجرة
إحصائية العضو


افتراضي رد: من المولد الى فترة رعي الغنم - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية الدرس الثاني


جعله الله في ميزان حسناتك

اخي ابو جعفر




المهاجرة غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 25-08-2010, 07:43 PM   #3
إحصائية العضو
aboja3far
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية aboja3far
إحصائية العضو


افتراضي رد: من المولد الى فترة رعي الغنم - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية الدرس الثاني



المشاركة الأصلية كتبت بواسطة المهاجرة مشاهدة المشاركة
جعله الله في ميزان حسناتك

اخي ابو جعفر

حياكِ الله أختي وشاكر مروركِ




aboja3far غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 26-08-2010, 12:38 PM   #4
إحصائية العضو
comrade
~**~لسَتُ عادَيا~**~
 
الصورة الرمزية comrade
إحصائية العضو


افتراضي رد: من المولد الى فترة رعي الغنم - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية الدرس الثاني


اللهم صلَّ وسلم على خير البرية محمد بن عبد الله الصادق الآمين..
ومن تبعه باحسان الى يوم الدين ..بارك الله بك وبنقلك وجزاك الله خير الجزاء ..




comrade غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 30-08-2010, 03:02 AM   #5
إحصائية العضو
aboja3far
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية aboja3far
إحصائية العضو


افتراضي رد: من المولد الى فترة رعي الغنم - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية الدرس الثاني



المشاركة الأصلية كتبت بواسطة comrade مشاهدة المشاركة
اللهم صلَّ وسلم على خير البرية محمد بن عبد الله الصادق الآمين..
ومن تبعه باحسان الى يوم الدين ..بارك الله بك وبنقلك وجزاك الله خير الجزاء ..

حياك الله أخي وشاكر مرورك




aboja3far غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 13-09-2010, 02:18 PM   #6
إحصائية العضو
الحب فى الله
•●أحــبـگ ربِّــﮯ●•
 
الصورة الرمزية الحب فى الله
إحصائية العضو


افتراضي رد: من المولد الى فترة رعي الغنم - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية الدرس الثاني


عليه افضل السلام

جزاك الله خيراً

فى ميزان حسناتك




الحب فى الله غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 18-09-2010, 02:13 PM   #7
إحصائية العضو
aboja3far
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية aboja3far
إحصائية العضو


افتراضي رد: من المولد الى فترة رعي الغنم - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية الدرس الثاني



المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الحب فى الله مشاهدة المشاركة
عليه افضل السلام

جزاك الله خيراً

فى ميزان حسناتك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حياك الله أختي الحب في الله وبياكِ ورفع الله قدركِ في عليين
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكِ صالح الأعمال وجزاكِ الله كل خير لتشريفكِ




aboja3far غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مرحلة الجهر بالدعوة - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية - الدرس السادس aboja3far ملـتـقى نبي الرحمة 1 21-09-2010 10:53 AM
البعثة النبوية وبدء الوحي - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية الدرس الرابع - رائع aboja3far ملـتـقى نبي الرحمة 6 18-09-2010 02:10 PM
سلسلة دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية - مرحلة ماقبل البعثة - الدرس الأول aboja3far ملـتـقى نبي الرحمة 4 18-09-2010 02:06 PM
مرحلة الدعوة السرية السنوات الثلاثة - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية الدرس الخامس .. رائع aboja3far ملـتـقى نبي الرحمة 2 18-09-2010 02:05 PM
آخر أهم الأحداث قبل البعثة - دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية :: الدرس الثالث aboja3far ملـتـقى نبي الرحمة 4 30-08-2010 03:07 AM


الساعة الآن 04:33 AM

:: الإعلانات النصية ::
منتديات نور الإسلام منتديات سارة المغربية منتديات الدفاع عن الصحابة مركز أحباب الله لرفع الصور



Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.

جميع الحقوق محفوظة لملتقى أحباب الله
ما يكتب في ملتقى أحباب الله ليس بالضرورة أن يعبّر عن رأي الملتقى و إنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط .