تابعوا أحباب الله على

  


سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
دعائكم لـ غزة و سوريا و كل بلاد المسلمين
(قال صلى الله عليه وسلم : " ما من أيام أعظم عند الله ، ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر ، فأكثروا فيهن من التسبيح ، والتحميد ، والتهليل ، والتكبير ")



الملاحظات

ملتقى القرآن الكريم و علومه كل ما يتعلق بالقرآن الكريم من حفظ و تجويد و علم القراءات و إعجاز علمي

الحواس في القرآن الكريم

ملتقى القرآن الكريم و علومه

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يقدر أيُّ مذهب فلسفي أو فكري إنكارَ دَوْر الحواس في العمليات المعرفيَّة، غَيْرَ أنَّ الخلاف...

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 28-01-2011, 11:43 AM   #1
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي الحواس في القرآن الكريم



بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يقدر أيُّ مذهب فلسفي أو فكري إنكارَ دَوْر الحواس في العمليات المعرفيَّة، غَيْرَ أنَّ الخلاف قائم حول القيمة المعرفية، ودورها في مراحل الإدراك، فالبحثُ في الحواس من أهمِّ فصول نظرية المعرفة.

الفرع الأول: مفهوم الحس والإدراك الحسي:
الحِسُّ هو الصوت الخفيُّ، وهو أول العلم المدرك بحاسته، تقول: أحسست بالخبر، وحسست الخبر: أيقنت به، والشيء: رأيته وعلمته، أو سمعت حركته؛ قال ابن الأثير: "الإحساس العلم بالحواس، وهي مشاعر الإنسان، كالعين، والأذن، والأنف، واللسان، واليد، وحواس الإنسان: المشاعر الخمسة، وهي: الطعم، والشم، والبصر، والسمع، واللمس".

وعند الراغب الحواس والمشاعر مُترادفة، أمَّا الحاسة فهي القوة التي بها تدرك الأعراض الحسية، والإحساس هو إدراك الشيء مكتنفًا بالعوارض الغريبة، واللواحق المادية، مع حضور المادة، ونسبة خاصَّة بينها وبين المدرك، فالإحساس يكون للحواس الظاهرة، كما أنَّ الإدراك للحس المشترك أو العقل.

والإحساس إن كان للحس الظاهر فهو المشاهدات، وإن كان للحس الباطن، فهو الوجدانيَّات [1]، لكن صرح أهلُ التحقيق على أنَّ القُوى الجسمانيَّة آلاتٌ للإحساس، وإدراك الجزئيات والمدرك هو للنفس.

لم يَرِد في القرآن حول المعرفة بالحواس - كأدوات غالبًا - إلا مشاعر الأذن والعين، وحاستي السمع والبصر، أمَّا اليد واللمس، فدلالتها المعرفية كانت على أنَّها مقومة للإدراك البصري بالكتابة أو المعاينة؛ لذا نحاول قصر الدراسة حول حاستي السمع والبصر.

الفرع الثاني: الأذن والسمع في القرآن الكريم:
الأُذن - بضم الألف -: هي عضو السَّمع في الإنسان والحيوان، واللفظ مؤنث؛ قال تعالى: {وَلَهُمْ آَذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]، وقال: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12]، فالأُذن هي السامعة[2]؛ لذا قيل لكل من صدَّق بكل خبر يسمعه: هو أُذُن.

أمَّا حاسة السمع، فهي أكثر ذكرًا في القرآن الكريم - 139 مرة - والسَّمع هو الإحساس الذي به إدراك الأصوات، فهو قوة الأذن، قد يُؤدي إلى الفهم، وربَّما لا يوصل إليه؛ {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ} [الأحقاف: 26].

وحاسة السمع لها أهمية كبيرة؛ لأنَّها تتلقى المعلومات بجزئياتِها المتغيرة؛ لذا عُبر عن الأذن بالإفهام، وعن فعل السماع بالسمع والطاعة.

كل موضع أُثبت فيه السمع للمؤمنين في القرآن، أو نفيه عن الكافرين، أو حُثَّ على تحرّيه، فالقصد به إلى تصور المعنى والتفكُّر فيه.

والسمع أنواع هي:
1- سمع الإدراك:متعلقُه الأصوات.
2- سمع الفهم والعقل: متعلقُه المعاني، ويتعدى بنفسه؛ لأنَّ مضمونه يتعدى بنفسه، كقوله: {وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104].
3- سمع الإجابة: يتعدَّى باللام، نحو "سمع الله لمن حمده".
4- سمع القبول والانقياد: يتعدَّى بـ (مِن)، كما يتعدى باللام، نحو: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41]، وهذا بحسب المعنى، إذا كان يقتضي القبول يتعدى بـ (مِن)، وإذا اقتضى الانقياد يتعدَّى باللام، و(السمع) لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال.

والسامع أعمُّ لغةً من المخاطَب؛ إذ الحاضر هو المخاطَب الذي يوجَّه إليه الكلام، والسامع يَعُمُّ له ولسائر الحاضرين في المجلس.

والسَّمع يعبر عنه بأنه قوة الأذن، والأذن أيضًا، وما وَقَر فيها من شيء، وهو قوة واحدة، ولها فعل واحد، ولهذا لا يَضبط الإنسان في زمان واحد كلامين، فالأذن محله، ولا اختيارَ فيه، فالصَّوت من أيِّ جانب كان يصل إليه، لا قُدرة له على تخصيص القوة بإدراك البعض دون البعض، بخلاف قوة البصر.

فيُعبر عن الأذن بالسمع، من جهة التعبير عن الأداة بوظيفتها، مثله ذكر الجزء مع إرادة الكل؛ قال تعالى: {خََمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7 "هذه طرق العلم والخير قد سدت عليهم، فلا مطمعَ فيهم"، ففي الآية ومثيلاتها ذكر العضو وهو القلب، والبصر جعل عليه غشاوة؛ أي: غشاء يغطيه، فلزم أن يكون المراد العين لا قوتها؛ أي: الجارحة، فكان من تناسق الكلام أنْ يفسر السمع على أنه الأذن، لكن ذكر السمع؛ ليوافق مفهوم الختم، وهو الطبع؛ حيث يكون للقلب وللسمع، أمَّا الأذن فتعطل بالوقر؛ {وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا} [الأنعام: 25]، و[الإسراء: 46]، و[الكهف: 57]، كما يوصف بالضرب؛ {فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} [الكهف: 11].

ويعبر عن الفهم والطَّاعة بالسمع، وهذا هو المفهوم من دلالته المعرفيَّة؛ أي: إدراك الأصوات وفهمها، فلا يلزم إدراك الصَّوت فهم المطلوب؛ {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة: 171]؛ فلما بيَّن تعالى عدم انقيادهم لما جاءت به الرُّسل، وردهم لذلك بالتقليد، أخبر تعالى أنَّ مثلهم - عند دعوة الدَّاعي لهم إلى الإيمان - كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها، وليس لها علم بما يقول داعيها ومناديها، فهم يسمعون مُجرد الصوت الذي تقوم به عليهم الحجة، ولكنَّهم لا يفقهونه فقهًا ينفعهم، فلهذا كانوا صُمًّا، لا يسمعون الحقَّ سماع الفهم والقبول، عميًا، لا ينظرون نظر اعتبار، فكل نفي للسمع في القرآن هو نفي للاستجابة لما سمع بالطاعة والانقياد له، وكل إثبات هو بمعنى الفهم من ذلك؛ {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَامِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31]، وقوله: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21]؛ أي: فهمنا وهم لا يستجيبون بالعمل لموجب ما سمعوا، فإذا لم يعملوا بموجبه، فهم في حُكم من لَم يسمع؛ فقال تعالى عنهم: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36].

أمَّا القول بأنَّهم لا يفهمون، فهذا فيه نظر؛ لأنَّ قيامَ الحجة لا يكون إلاَّ بعد الفهم، غَيْرَ أنَّ الاقتناع لا يشترط؛ لقولهم في الآية: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93]؛ أي: فهمنا ولم نأتمر.

فخصائص السَّمع الممدوح في القرآن الكريم هي: الفهم لما يُلقى، والاستجابة للأوامر، والانتهاء عن الموانع، فإذا تخلَّف الفهم، أو الطاعة والاستجابة، كان النَّفي للسمع، وهذا في حق المؤمنين والكافرين.

فالإعراضُ عن الحق هو إعراضٌ عما سُمع، فيكون في حكم الأصم؛ لذا قال عنه تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا} [لقمان: 7][3]، فهو سمع لكن لم يستجب، فكان في حكم من لم يسمع؛ لأنَّ الغاية من الخطاب لم تتحقق، فاستوى وجوده بعدمه، حال مقابلته بالرَّفض والعصيان؛ {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا} [الأعراف: 198]، {إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [فاطر: 14]؛ فالأول هو نَفْيٌ لإدراك الأصوات في حقِّ الموتى، والثاني نفيٌ للرد من طرف الموتى، فكانت النتيجة أنَّهم لا يسمعون.

وتعطُّل السمع - سمع الاستجابة والهداية التوفيقيَّة - إنَّما يكون لتعطل مَحل الإدراك، وهو القلب؛ لذا جُمعا في الختم في كذا آية، وأُفرد البصر بالغشاوة والغطاء، بل صرح بذلك في آية: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100]؛ أي: لا يسمعون ما ينفعهم للهداية؛ بل ما يقيم عليهم الحجة فقط، فهم يفهمون ويُدركون بالسمع ما قيل؛ لكن قلوبهم لا تقتنع، وصدورهم لا تنشرح للحق، فاستوى السَّمع والصمم؛ لأنَّ الاستجابة منتفية، وإن كان الإدراكُ للأصوات، وفهم الكلام قائم؛ فالعمل بموجبه مُتخلف عنه، وهذا قطع للغاية من الخطاب بالأمر أو النَّهي؛ لذا قال تعالى لنبيه عن موقف الناس من دعوته: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36]؛ أي: يستجيبُ لدعوتك، ويلبِّي رسالتك، وينقادُ لأمرك ونَهيك، الذين يسمعون بقلوبهم ما ينفعهم، وهم أولو الألباب والأسماع والأبصار.

والمراد بالسَّماع هنا: سماع القلب والاستجابة، وإلاَّ فمجرد سماع الأذن يشترك فيه البر والفاجر.

فكل المكلفين قامت عليهم حُجة الله - تعالى - باستماع آياته، فلم يبقَ لهم عذر بعدم القَبول؛ إذ حقيقةُ السماع تنبيه القلب على معاني المسموع، وتحريكه عنها؛ طلبًا وهربًا، وحبًّا وبُغضًا، فهو حادٍ بكل أحد إلى وطنه ومألفه.

لذا نَجد أصحاب السماع أصناف، فمنهم:
1- من يسمع بطبعه ونفسه وهواه، وهذا حظُّه من مسموعه ما وافق طبعه.
2- ومن يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله، وهذا يفتح له من المسموع بحسب استعداده وقوته ومادته.
3- ومَن يسمع بالله، لا يسمع بغيره، وهذا أعلى سماعًا، وأصح من كل أحد.

أمَّا الكلامُ عن المسموع مدحًا أو ذمًّا، فيرجع إلى إدراك صورة المسموع وحقيقته وسببه، والباعث عليه، وثَمرته وغايته، فبهذه الفصول الثلاثة يتحرَّر أمر المسموع، ويتميز النافع منه من الضار، والحق من الباطل.

والمسموع على ثلاثة أضرُب في القرآن الكريم:
أحدها: مسموع يُحبه الله ويرضاه، وأمر به عباده، وأثنى على أهله، ورَضِيَ عنهم به؛ {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83].
الثاني: مسموع يبغضه ويكرهه، ونَهى عنه، ومدح المعرضين عنه؛ {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: 140].
الثالث: مسموع مباحٌ مأذون فيه، لا يُحبه ولا يُبغضه، ولا مدح لصاحبه ولا ذمه، فحكمه حكم سائر المباحات؛ من المناظر والمطعومات والملبوسات، فمن حرَّم هذا النوع، فقد قال على الله بغير علم، ومَن جعله قربة إلى الله، فقد كذب على شرعه، وجعل من دينه ما ليس منه.

أما الضرب الأول، فهو أساس الإيمان الذي يقوم عليه، وهو على ثلاثة أنواع:
1- سماع الإدراك: ففي قوله حكاية عن مُؤمني الجن قولهم: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: 1 - 2]، فهذا سماع اتَّصل بالأذن.
2- سماع الفهم:وهو المنفي عن أهل الأعراض والغفلة؛ {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [الروم: 52]، فالتخصيص هنا لسماع الفهم والعقل، وإلاَّ فالسمع العام الذي تقوم به الحجة لا تخصيصَ فيه، مثل ذاك: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23]؛ أي: لو علم فيهم قبولاً وانقيادًا، لأفهمهم فهم هداية، أمَّا فهم الإدراك، فقد حصل وأعرضوا بعده، فهُمْ سمعوا سَمع الإدراك؛ لكن لم يستجيبوا؛ لأنَّ في قلوبهم مِن دَاعي التولِّي والإعراض ما يَمنعهم عن الانتفاع بما سمعوا.
3- سماع القبول والإجابة؛كما في الآية: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51 فإن هذا سمعُ قَبول وإجابة مثمرة للطاعة، والتحقيق أنَّه متضمن للأنواع الثلاثة، فقد أخبروا بأنَّهم أدركوا المسموع وفهموه واستجابوا له.




تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2011, 11:45 AM   #2
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم


ومن سَمْعِ القَبول قوله - تعالى -: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47]؛ أي: قابلون مستجيبون لهم.

وسماع خاصَّة الخاصة من المقربين هو سماع القرآن يُتلى بالاعتبارات الثَّلاثة، إدراكًا، وفهمًا، وقبولاً وإجابة، وكل سَماع في القرآن مَدَحَ الله أصحابَه، وأثنى عليهم، وأمر به أولياءه - فهو هذا السماع، سماع كلام ربِّ العالمين، وسماع المواعظ، وكلام الأنبياء والمرسلين، وهذا النَّوع هو حادي القلوب إلى جوار علاَّم الغيوب، وسائق يسوق الأرواحَ إلى ديار الأفراح، ومحرك يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات، وأرفع الدَّرجات، ومنادٍ يُنادي للإيمان، ودليلٌ يسير بالركب في طريق الجنان، وداعٍ يدعو القلوب بالمساء والصباح من قبل فالقِ الإصباح: "حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح"، فلم يعدم من اختار هذا السماع؛ إرشادًا لحجةٍ، وتبصرة لعبرةٍ، وتذكرة لمعرفة، وفكرًا في الآية، ودلالة على رشد، وردًّا على ضلالة، وإرشادًا من غَيٍّ، وبصيرة من عمى، وأمرًا بمصلحة، ونهيًا عن مضرة ومفسدة، وجلاء بصيرة، وحياة لقلب، وغذاء ودواء وشفاء، وعصمة ونَجاة وكشف شبهة، وإيضاح بُرهان، وتحقيق حق، وإبطال باطل.


الفرع الثالث: العين والإبصار في القرآن الكريم:
أ- العين: العين هي الباصرة، وتُطلق على الحدقة، وهي عبارة عن مجموع طبقات تسع، محيط بعضها ببعض، ويغطي الحدقة الجفن، وقد تُطلق العين على مجموع الغلاف وما فيه، كما يراد بها حقيقة الشيء المدركة بالعيان، أو ما يقوم مقام العيان.
ما يهمنا هو العمليَّات المعرفية؛ أي: العين الجارحة؛ كما في قوله - تعالى -: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} [البلد: 8]، وقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} [المائدة: 45]، {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83]، فمُهمة العين في القرآن هي "الرُّؤية"؛ {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} [آل عمران: 13]، و"الإبصار"؛ {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 179]، {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 195]، و"المشاهدة"؛ {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 61].

وصفت العين بأمورٍ كانت خاصَّة بها وهي الطَّمس، القِرى، المد، الازدراء، فيض الدَّمع، التغطية، الدوران، واللَّذة[4].

فالصفة الأولى في قوله - تعالى -: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} [يس: 66]، والطمس يكون بذَهاب البَصَر، والتالية: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ} [الأحزاب: 51]، {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} [طه: 131]، {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا} [هود: 31]، {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92]، {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} [الكهف: 101]، {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 19]، {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف: 71].

ب- البصر: من أهم عمليَّات العين: البصر، ويرادُ بما يرادفه وهو النَّظر، والرُّؤية، والمشاهدة، والملاحظة، والاطِّلاع، فالبصر هو إدراك العين، ويطلق على القوة الباصرة، وهو قوة مُرتَّبة في العصبين المجوفين، التي من شأنِها إدراك أشباح الصور، بانعكاس الضوء فيها؛ إذ البصر هو حاسة الرُّؤية.
وَرَد في القرآن مع ما يتعلق به من العمليَّات في "274" موضعًا؛ ليدلَّ على العلم القوي المضاهي لإدراك الرُّؤية، فيقال: بصر بالشيء: علمه عن عيان، فهو بصير به.

قال تعالى: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} [القلم: 5]، {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} [الحاقة: 38 - 39 {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42].

وبيان أنَّ العين هي أداة الإبصار في {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 195]، وفرق بين النظر والبصر؛ {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198]؛ فالنظر هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماسًا لرؤيته، ولما كانت الرُّؤية من توابع النظر ولوازمه غالبًا، أُجْرِيَ لفظُ النظر على الرُّؤية على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب، كما ورد في حكاية عن طلب موسى؛ {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143 فكان الردُّ: {قَالَ لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143]، والرؤية إذا أضيفت إلى الأعيان كانت بالبصر، وتطلق على المنام والوهم، فالبصر خاص بالمعاينة والمشاهدة بالعين، فلازم البصر الإدراك؛ وهذا غير الرؤيا التي قد تكون مع عدم إحاطة؛ لذا قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103]، وهذا في الدُّنيا والآخرة؛ "أي: لا تُحيط به الأبصار، وإن كانت تراه وتفرحُ بالنَّظر إلى وجهه، فنفي الإدراك لا ينفي الرُّؤية، بل يثبتها بالمفهوم، فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة، فلو أراد نفيها، لقال: لا تراه الأبصار، ونحو ذلك.

عودًا على آية الأعراف؛ حيث فرق بين النَّظر والبصر، فالكفَّار يحدقون في النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - غير أنَّهم لا يبصرون؛ أي: لا يدركون فضله، ولا يستشعرون كرمه عليهم، ولا ينتفعون بالنظر إليه، ولا بالهدى المرسل به.

نتوصل إلى أن البصر يقال للجارحة الناظرة، وللقوة التي فيها، ولقوة القلب المدركة[5].




تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2011, 11:48 AM   #3
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم


وللبصر صفات عدة في القرآن هي:
البصير من أسماء الله، وهو للأعمال الظَّاهرة لنا، يقترن كثير بالسميع والخبير، والله - تعالى - سمى نفسه بصيرًا، ووصف نفسه بأنه بصير لأعمال الناس، وورد في القرآن وصفه الرُّؤية؛ {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144]، كما وصف بالنَّظر؛ {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14]. ضد البصير الأعمى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [الرعد: 16].
الزيغ: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17]؛ أي: ما مال بصره، فهي رُؤية عين، وليس من خداع البصر.
الرجوع: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} [الملك: 3].
الانقلاب: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 4 وهنا وصف بالحسرة.
الحِدَّة: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22].
الشخوص: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]؛ أي: لا تطرف من شدة ما ترى من الأهوال، فشخوص البصر يدُلُّ على رُؤية أمر جلل عظيم الأهمية، كما يدل على فزع وانزعاج القلب.
العمى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].
الخشوع: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} [النازعات: 9]، وهذا خوف مع هيبة واحترام.
السُّكْر: {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر: 15]؛ أي: أصابها سُكر وغشاوة، فهي ترى ما ليس موجودًا.
التقلب: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]، وذاك من الحيرة والتيه؛ بسبب الشبهات.
الصرف: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 47].
الطبع: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [النحل: 108].
الغض: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31].

ج - النظر: والنظر هو التحديق لإدراك الصُّور، في أول مراتب الإبصار، ثم تليه الرُّؤية، وهي من لوازمه؛ {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران: 143].
وقد تقرَّر الشروع بطلب النظر في مواطن كثيرة، إمَّا على جهة الوجوب، وإمَّا على جهة الندب.

كما تقرر النَّهي عن النظر بها، وإيجاب غضِّها، أو النَّدب إليه في مواطن كثيرة، وإباحته والعفو عنه في مواطن كثيرة[6].

واستعمال النَّظر في القرآن كان بالإرشاد إلى التأمُّل، فهو تقليبٌ للبصر مع استغراق وقت؛ إذ يُقاربه في المعنى الانتظار، فلا يكون النَّظر بسرعة بل بتمهل؛ لأنَّ الغاية من تقليب البصر وتحديق العين: الوصول إلى إدراك المنظور إليه؛ لتحصل منه الرُّؤية، وقد يراد به التأمُّل، والفحص، والمعرفة الحاصلة بعد الفحص؛ وهي الرويَّة، واستعمال النظر في البصر أكثر عند العامة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصة.

فيقال: نظرت إلى كذا، إذا مددت طرفك إليه، رأيته أم لم أره، ونظرت فيه: إذا رأيته وتدبَّرته، ونظرت له: رحمته، وإليه: رأيته، وعليه: غضب عليه، ونظره: انتظره..

وللنَّظر أحوال مُختلفة وكيفيَّات مُتنوعة نفصل منها:
إذا نظر الإنسان إلى الشيء بمجامع عينه، قيل: رَمَقَهُ.
فإن نظر إليه من جانب أذنه، قيل: لَحَظَهُ.
فإن نظر إليه بعجلة، قيل: لَمَحَهُ.
فإن رماه ببصر مع حِدَّة نظر، قيل: حَدَجَهُ بطرفه.
فإن نظر إليه بشدة وحِدة، قيل: أرْشَقَهُ، رشقه، وأسَفَّ النظر إليه.
فإن نظر إليه نظر المتعجب منه، والكاره له، والمبغض إياه، قيل: شَفَنَه، شفن إليه.
فإن أعاره لحظ العداوة، قيل: نظر إليه شزرًا.
فإن نظر إليه بعين المحبة، قيل: نظر إليه نظرة ذي "عَلَقٍ".
فإن نظر إليه نظر المتثبت، قيل: توضَّحَه.
فإن نظر إليه واضعًا يده على حاجبه، مستظلاًّ بها من الشمس؛ ليستبين المنظور إليه، قيل: استكَفَّه واستوضحه واستشرفه.
فإنْ نشر الثوب ورفعه لينظر إلى صفاته، أو سخافته، أو يرى عوارًا إن كان به، قيل: استشفَّه.
فإن نظر إلى الشيء كاللمحة، ثم خفي عنه، قيل: لاحَهُ، لَوَّحَه.
فإن نظر إلى جميع ما في المكان حتى يعرفه، قيل: نفضه، نفضًا.
فإن نظر في كتاب أو حساب؛ ليُهذِبه، أو ليستكشف صِحَّته، وسقمه، قيل: تصفَّحه.
فإن فتح جميع عينيه لشدة النظر، قيل: حَدَّق.
فإن لألأهُما، قيل: بَرَّق عينيه.
فإنِ انقلبَ حملاق عينيه، قيل: حمْلَقَ.
فإن غاب سوادُ عينيه من الفزع، قيل: برِق بصره.
فإن فتح عينه مُفْزَعًا أو مهددًا، قيل: حَمَّجَ.
فإن كسر عينيه في النظر، قيل: دَنْقَسَ، وطَرْفَشَ.
فإن نظر إلى أفق الهلال لِلَيلته ليراه، قيل: تَبصَّرَه.
فإن اتَّبع الشيء بصره، قيل: أثاره بصره.

غير أنَّ غالب ما ورد في القرآن الكريم من اللفظ كان المراد به التأمُّل والتحري، فلم يكن المراد التوقف عند التحديق، بل التجوز إلى التفكر والتروي.

الفرع الرابع: المفاضلة بين السمع والبصر في القرآن الكريم:
أ- التفاضل بين السمع والبصر عند العلماء: اختلف ابن قتيبة، وابن الأنباري في السمع والبصر، أيهما أفضل؟ ففضل ابن قتيبة السمع، ووافقه طائفة من العلماء، واحتج بقوله - تعالى -: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} [يونس: 42 - 43]؛ قال: فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النَّظر إلا ذهاب البصر، كان دليلاً على أن السمع أفضل.
وقال الأنباري: بهذا غلط، وكيف يكون السمع أفضل، وبالبصر يكون الإقبال والإدبار؟ والقُرب والنَّجاة، والبُعد من الهلاك، وبه جمال الوجه، وبذهابه شينه، وأجاب عمَّا ذكره ابن قتيبة بأنَّ الذي نفاه الله - تعالى - مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر؛ إذ كأنَّه أراد إبصار القلوب، ولم يُرد إبصارَ العيون، والذي يبصره القلب هو الذي يعقله؛ لأنَّها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلام النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيقفون على صحته ثم يكذبونه، فأنزل الله فيهم: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} [يونس: 42أي: المعرضين، ولو كانوا لا يعقلون، ومنهم من ينظر إليك بعين نقص، ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا، فقد أخبر في قوله - تعالى -: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} [هود: 24].

واحتجَّ مفضلو السمع بأن به ينال غاية السَّعادة، من سماع كلام الله وسماع كلام رسوله، فقالوا: وبه حصلت العلوم النَّافعة، وبه يدرك الحاضر والغائب، والمحسوس والمعقول، فلا نسبة لمدرك البصر إلى مدرك السَّمع، ولهذا يكون فاقده أقلَّ علمًا من فاقد البصر، بل قد يكون فاقد البصر أحدَ العلماء الكبار، بخلاف فاقد السمع، فإنَّه لم يعهد من هذا الجنس عالم أَلْبَتَّة.

لكن قال مفضِّلو البصر: أفضلُ النعيم النظر إلى الله - تعالى - وهذا يكون بالبصر،كما أنَّ ما يراه البصر لا يقبل الغلط، بخلاف ما يُسمع؛ فإنه يقع فيه الغلط والكذب والوهم، فمدرك البصر أتم وأكمل، كما أن محله أحسن وأكمل وأعظم عجائبَ من محل السمع، وذلك لشرفه وفضله.

قال ابن تيمية: البصر يرى من مباشرة المرئي، والسمع لا، وإن كان يحس الأصوات، فالمقصود الأعظم به معرفة الكلام، وما يخبر به من العلم.

والتحقيق أنَّ إدراكَ البصر أكمل؛ قال الأكثرون: "فليس المخبر كالمعاين"[7]، لكنَّ السمع يحصل به من العلم أكثر مما يحصل بالبصر، فالبصر أقوى وأكملُ، والسمع أعمُّ وأشمل، وهاتان الحاستان هما الأصل في العلم بالمعلومات التي يَمتاز بها الإنسان عن البهائم، ولهذا يقرن الله بينهما وبين الفؤاد.

ب- الجمع بين السمع والبصر في القرآن الكريم: وَرَدَ السمع والبصر في القرآن مُنفردين وجمعًا في"36" موضعًا، منها: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} [يونس: 31]، {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]، فالحديث عن الحواس كأدوات للمعرفة كان غالبًا عن السمع والبصر مجموعين، وذاك لعدة أسباب، منها:
1- أنَّهما أداتان من أهم أدوات الإدراك التي يترتب عليها معرفة الله - تعالى - كأعلى أنواع المعرفة وموضوعاتها، وإدراك دلائل الاعتقاد لا يكون إلا بهما.
2-أنَّهما الطريقان الرئيسان بين المعرفة والعقل، فهما الواسطة، ودونهما لا يعرف، بل لا يدرك الإنسان شيئًا، وقد يستغني عن غيرهما من الحواس؛ لذا قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} [المؤمنون: 78]، فهذه الثلاث هي طرق العلم الرئيسة، وأدواتها الأذن والعين والقلب.
3- فقدان الحاستين يُفقد العلم كله كلامًا ولغة وقراءة، فالقُدرة على الكلام وفهم اللغة يَحتاج إلى السمع؛ ليَعِيَ الدلالات الصوتيَّة، بل قد يتعطل حتى عن تدبير حياته العضوية، فهما مدار الحياة الحيوانية، وكمال البشرية، وتحصيل العلوم الأولية بهما.
4- ورد السمع حالَ اقترانه بالبصر مفردًا، خلاف البصر، فقد ورد جمعًا إلا في [الإسراء: 36]؛ فليس نصًّا في العموم، لاحتمال توهم بصر مخصوص، فكان الجمعُ أدل على قصد العموم، وأنفى لاحتمال العهد ونحوه، بخلاف قوله: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]؛ لأنَّ المرادَ الواحد لكل مخاطب بقوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، ويَحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ السمع يستقبل جميع الأصوات باختلاف جهاتها، في حين البصر لا يستقبل دون توجه العين نحو الْمُبْصَر المراد، فالبصر لا يدرك إلا الزَّاوية الموجه نحوها، على غير السمع؛ فيلتقط في الزَّوايا كلها.
5- السمع يدرك خلالَ الضَّوء والظُّلمة، ومع وجودِ الحواجز الفاصلة بين السامع وغيره؛ إلا أن تكونَ كاتمة، على عكس البَصَر لا يبصر إلا بوجود ضوء ينعكس في العين.

كما أنَّ النائمَ أول ما يستيقظ منه المنبِّه السمعي ويليه البصري، فكان أول الحواس اشتغالاً بعد النوم، وآخرها قبل النَّوم، وترادفهما يحقق أعلى مُستويات الاستيعاب والتحصيل.




تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2011, 11:49 AM   #4
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم



ج- أسباب تقديم السمع على البصر في القرآن الكريم:ما يلاحظ في القرآن الكريم أنَّ السمع كان دائمًا مقدمًا على البصر في الذِّكر كلما اقترنا، وهذا الترتيبُ كان في كتاب الإعجاز اللُّغوي والبلاغي؛ وهو القرآن، فلا يكون إلا عن سر، وهو قاعدة أفضليَّة المتقدم على اللاحق، خاصة أنَّ هذا التقديم شمل كل المواضع التي اجتمعَ فيها السمع مع البصر، وهذه الملاحظة هي إحدى أدلة القائلين بأفضلية السمع على البصر من الناحية المعرفية، وهذا يستند إلى دلائل أخرى في القرآن الكريم والواقع، وهي:
1- اقترن السمع بالعقل في غير ما آية، دون اقتران البصر بالعقل، مثل: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10{وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100].
2- اقترن لفظ السميع بالعليم، بينما اقترن البصير بالخبير؛ ليجتمعا في العليم: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 30]، أمَّا السمع والعلم؛ {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] ، في حوالي "32" آية، وهذا أكثر من اقترانِ السَّمع مع البصر في القرآن، فكان السمع أقرب للعلم معنى وأتم.
3- حاسة السمع دائمة العمل دون توقُّف، بخلاف البصر فتتوقف بإغماض العين؛ وإن كان المغمض مستيقظًا.
لهذا ذكر الله عن أصحابِ الكهف أنَّه ضرب على آذانهم، فكان ذلك أشدَّ دلالة على الاستغراق في النوم لتوقف أشد المنبهات؛ {فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} [الكهف: 11].

أمَّا من زاوية معرفية خالصة، فالأفضليَّة كانت لأمورٍ منها:
1- السمع أهم في إقامة الحجة على الخلق، فالبصر لا يكون إلا حال عرض المعجزة دون زمان من سيأتي، أما السمع فطريقه أعمُّ وأشمل للزمان والمكان.
2- قال الرازي: السمع سبب لاستكمال العقل بالمعارف، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات.
3- السمع ينقل المعارف الماضية والأخبار الآتية، أمَّا البصر فينقل الحاضر المعاين؛ {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 26 - 27].
غير أنَّ انتشار الكتابة والقراءة قد يَجعل البصر ناقلاً للمعارف السابقة وغيرها أكثر من السمع، فالتاريخُ لم يَعُدْ يؤخذ سماعًا بل قراءة، ومع ذلك فأكثر الأخبار والمعلومات تتناقل سماعًا بين الناس.
4- السمع جهات استقباله مُتعددة، عكس البصر لا يكون إلا بالمقابلة.
5- حاسة السمع تشتغل ليلاً ونهارًا؛ وفي الظلام والنور، في حين البصر لا يعمل إلا في النهار والنور، وفي هذه الميزة قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [القصص: 71 - 72]، في ذهاب الضوء نَبَهٌ للسمع، وحال وجوده نبه للبصر، والسمع ضمنًا هو يشتغل ومتنبه معه.
6- أوَّل حاسة تستجيبُ من النَّائم حاسة السمع؛ وإن كان مغمض العينين.
7- فاقد السمع يفقد النُّطق؛ لعدم القُدرة على التلقين، وإدراك المخارج والصفات، فيفقد خاصية المخاطبة.

د- أسباب تقديم البصر على السمع في القرآن الكريم:وَرَدَ البصر متقدمًا على السمع في مواضعَ، كان الغالب فيها الذَّم والتعطيل والعقاب، ففي حالات المدح والمنَّة - كما سبق - قدِّم السمع، أمَّا فيما عاكسها فقدِّم البصر، وهذا لا ينفي أفضلية السمع بل يثبتها.

والمواضع التي قدِّم فيها البصر على السمع هي:
1- في قوله - تعالى -: {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 179]، هنا كان المقام مقام تحقير لهم؛ كما في قوله - تعالى -: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].
والبصر أهم للحيوانات من السمع؛ لأنَّه لا يعدو أن يكون وسيلة لحفظ الحياة، ولا يُؤدِّي كلٌّ منهما الدَّور المعرفي الذي ينتجُ عنه الهدى، ثم هذه الآية الكلامُ فيها عن تعطيل الحواس؛ لذا كان تقديم البصر.
2- مثلها نجد في قوله - تعالى -: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} [هود: 24 فقدمت حاسة البصر المعطلة على حاسة السمع المعطلة.
3- وفي موقف تعذيبهم: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} [الإسراء: 97]، ذاك أن أكرم موضع في الوجه العينان، وأشد الإهانة بإفقاد حاسة البصر حال المحاسبة.
4- وفي قوله - تعالى - عن ندم الكفار: {أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12]؛ فالمعاينة بالبصر أقوى من الخبر المنقول، والمشاهدة آكد حجية.

ويبقى موضعان في [الأعراف: 195]، و[المائدة: 71] تَدُلُّ نفس الدلالة، وهي التعطيل، إمَّا بفُقدان الحاسة أصلاً للآلهة؛ كما في الأعراف، فهي لا تبصر التعبُّد لها ولا عبّادها أصلاً.

أو لصدود بني إسرائيل كما في المائدة، وذلك بأنَّهم شاهدوا المعجزات قبل سماع الوحي، ثم صدوا كأنْ لم يبصروا شيئًا.




تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2011, 11:50 AM   #5
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم


الفرع الخامس: وظيفة الحواس وقدرتها المعرفية:
يُقسِّم أهلُ الأصول العلم إلى اضطراري واكتسابي، غَيْرَ أنَّهم يَجعلون الضروري ما يدرك بالحواس الخمسة وما يدرك بالمتواتر؛ قال ناظم الورقات:


وَالْعِلْمُ إِمَّا بِاضْطِرَابٍ يَحْصُلُ أَوْ بِاكْتِسَابٍ حَاصِلٍ فَالْأَوَّلُ
كَالْمُسْتَفَادِ بِالْحَوَاسِ الْخَمْسِ بِالشَّمِّ أَوْ بِالذَّوْقِ أَوْ بِاللَّمْسِ
وَالسَّمْعُ وَالْإِبْصَارُ ثُمَّ التَّالِي مَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى اسْتِدْلاَلِ


فالحواس هي أبواب المعرفة الأولى، والحس أوَّل مراتب الإدراك؛ لذا جعل الله - تعالى - مَن عُطِّلت حواسه وقلبه في حكم الميت، ومَن لم يستجب للحق في حكم البهيمة، له من حواسه وقلبه لإدراك العام مما يستعينُ به على دُنياه، دون أن يصلَ إلى الرُّشد والهداية الخاصَّة، والفهم الخالص، غَيْرَ أنَّ الاقتصار على الحس كطريق وحيد للمعرفة لم يرد قطُّ في القرآن، بل الحس مجموع دائمًا مع القلب والفُؤاد - أي: العقل - لأن الغاية من الإدراك الحسي ليس التحسس؛ بل فهم المحسوس، وأجمعَ أكثرُ أهل التحقيق على أنَّ النفس هي المدركة، والحواس نواقل للمعلومات؛ لذا كان قطع المعارف عن أيِّ إنسان بقطع حاسَّتين ومركز التعقُّل؛ {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7].

أمَّا القول بنسبية الحواس، وأنَّها مصدر خطأ؛ فالبعض يغلو فيه، والبعض لم نفهم تقعيدهم لهذه النسبية؛ بجعلها دليل الخطأ، وحجة في عدم بلوغ اليقين بها، قبل أن نناقش نظرياتهم نقرر ما يلي:
1- حاجَّ القرآن الإنسان، وجعل الحجة قائمة بأن مُنح السمع والبصر والقلب، فدل على أن هذه طرق بلوغ اليقين، ولو كانت لا يقين بها لرفع التكليف، أو كان مع المشقة، والمشقة مُنتفية في التشريع الربَّاني، والتكليف يسقط مع المشقة، ولا معنى للمحاججة فيما العجز قائم حتَّى في إدراك الحجة، فضلاً عن فقه وجه الاستدلال فيها.
2- من المسلَّمات أن العلم يتجزأ، يزيد وينقص، فيلزم أنَّ العلم والمعارف البالغة عبر الحس تتجزَّأ، وتتفاوت من فرد إلى آخر، وفي الفرد نفسه من معرفة لأخرى.
3- من عرضنا السابق نَخلص إلى أنَّ النفس؛ أي: القلب هو مركز الإدراك، أمَّا الحواس، فهي ناقلة له عن العالم الخارجي، مع اكتسابه لصفة الإدراك الحسي.
4- تكامُل الحواس والعقل في القرآن أمر مسلم به؛ حيث لا تقوم منفردة، وفقدان أو ضعف أيٍّ منها نقصٌ في جهة من العلم، فانتقاصها انتقاصٌ للعقل.
يرى الكثير من الباحثين في الفلسفة والفكر بفروعها أنَّ الحواس تُخْطِئ، ولا تصل إلى اليقين، ويتبعون في ذلك آراء بعض الفلاسفة القُدامى، وفلاسفة المسلمين ومُفكريهم وعلمائهم، ومنهم كثير، كأبي حامد الغزَّالِي وابن حزم وغيرهما.

ولأن بحثنا ليس للمقارنة؛ فلا يسعنا الخوض في هذا كثيرًا، غَيْرَ أنَّ بعض من كتب في نظرية المعرفة في القرآن أخذ ذلك الكلام، وبنى له أدلة من القرآن الكريم، وهذا أبعد ما يكون حول طرق الاستدلال.

نُحاول ذكر مثال يعرضه الكثير فيما يدرك بالحواس، يرى الإنسانُ شخصًا من بعيد، فيظنه فلانًا، ويحلف عليه، ويكابر ويُجرد، ثم يتبيَّن له أنه ليس هو.

ويستدل البعضُ بأنَّنا نرى الشمس بحجم الدِّرهم، وهي أعظمُ من الأرض حجمًا، ونرى الملعقة في كأسٍ من الزُّجاج وهي وسط الماء منكسرة، وقد يشم أحدُنا رائحة، ويُخْطئ حول مصدرها.

واستدلَّ البعض حول خطأ الحواس بقوله - تعالى -: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39].

والأدلة حول هذا تتكرر غير أن ما يلاحظ عليها كلها:
1- الاستدلال بالشاذ؛ لمصادرة القاعدة العامَّة، وهذا منافٍ لقواعد العقل والمنطق، فالشاذ والنَّادر لا يخرم القاعدة العامة، والحكم للغالب.
فأكثر أدلَّتهم عن العمى، وضعف البصر بين الأفراد، أو في حالات للفرد نفسه، فبصر الفرد حالَ الإرهاق ليس كبصره في الوضع الطَّبيعي، والأمراض تزيدُ في ضَعف البصر، وهذا يرتفع عن ذكره مثالاً؛ فضلاً عن أن يُرْفَع لمقام الدليل، فكلامنا كله حول الأحوال العادية.
2- إذا علمنا قطعًا أنَّ مَراتب الفهم مُتفاوتة، ومدارك الحواس مُتنوعة ومُتفاوتة بين الناس، بين القوة والضَّعْف، فلا يلزم أنْ نستدلَّ بالضعيف لنُعمِّمه على الكل، فهذا نسحبه على العقل مثلاً، سيترتب عن ذلك القول بعدم إمكانيَّة بلوغ اليقين؛ أي: مقالة الشكاك، وهذه نظرية نتجاوزها في القرآن، بل لم تُعر حتى التفاتة بذكرها، ولو بالرد.
3- استدلالاتهم تُنْبِئ بعدم ضبط مفهوم السَّمْع والبَصَر، فالبصر وهو عمل العين تحسس المرئيَّات، وذلك يتمُّ بانعكاس أشعة الضوء من الأجسام نحو العين، ثم تنقل الصورة إلى العقل ليعيها ويفهمها، والسَّمع تردد الموجات الصوتية بتحرك الهواء داخل تجاويف الأذن، ثم تتحول إلى ذبذبات تنتقل للعقل ليفسر الصوت.

فالاستدلال بأن الشمس تراها العين بحجم الدِّرهم حقيقة؛ لأنَّ الحجم المنعكس من جسم الشمس نحو العين كان بقدر الدِّرهم، كما لا نتأمل الشمس بالمنظار المجهري بل بالتليسكوب، ولن يقول عاقل: إنَّ المنظار المجهري ينقل صورة خاطئة وهو مخطئ، بل إنَّه صُنِعَ ليكبر الصَّغير؛ لا ليصغر الكبير؛ أي: إنَّ علم الضوئيات والعدسات يفرق بين العدسات المكبِّرة والمصغرة؛ وذلك لفروق فيزيائيَّة هندسية ضوئية بالزجاج.

فالعين كذلك لها مجالها البصري من بُعْد وقصر، وقدرتها في نقل الصُّور، فهي تنقل كما صنعت، غَيْرَ أنَّ العقل هو المدرك للحجم الحقيقي، بالتحقق بأدوات أخرى، هي من الحواس نفسها، لكن بشروط غير الأولى، كما نفعل في التأمُّل من انكسار الملعقة بالماء في الكأس الزجاجيَّة؛ بحاسة اليد بالتلمس، أو إخراج الملعقة والنَّظر إليها في مجال واحد، فما جهل بحاسة أدركَ بحاسة أخرى، فالعين والبصر والأذن والسمع والحواس كلها تدرك الوسائطَ، حسب خواصها وقدراتها المؤهلة لها.

مثلاً حال الملعقة داخلَ الكأس مُنكسرة: جزء خارج الماء، وجزء داخل الماء، وهو ما نراه منكسرًا، التحليل العلمي: أنَّ الأشعة المنبعثة من الجزء الخارج عن الماء درجة انكسارها في الهواء مُختلفة عن درجة انكسار الأشعة من الجزء الآخر في الماء؛ لأنَّ الوسطين مُختلفان، فتصل الصورة الكاملة كأنَّ الملعقة منكسرة، وهذه هي الصورة الحقيقيَّة فعلاً؛ لأنَّ الأشعة انعكاسها منكسر بين جزءين من وسطين مُختلفين، فأي عينٍ تعرض عليها التجربة، سترى نفس الصورة، فالعينُ المطلقة البشرية، ومطلق العين البشرية ترى نفس الصورة، فلا يعقل القول بأنَّها تُخْطئ منذ خلق الله الأعين إلى الآن، بل الحقُّ أن يقال: إنَّ مجال رؤيتها نسبي ومحدود.

من جهة أخرى لا نزعم بأنَّ قوة الحواس مطلقة، وهذا كلام لا يستقيم؛ فكيف والثابت محدودية العقل، وهو مركز العلم والمعرفة، هل يعقل أنْ يقال: إنَّ الحواس مطلقة، لكن هذا لا ينفي وصولها إلى اليقين، فالله - تعالى - حاجَّ عبادَه بأنْ منحهم الحواس والعقل، فدَلَّ على أنها مراكز إثبات اليقين في جميع طبقات الناس؛ إلا من رفع القلم عنه؛ لأنَّ الرِّسالة الإلهية للناس كافة بليدهم وذكيهم، كبيرهم وصغيرهم.

فالحواسُّ نسبية، وفي حالاتِها العادية هي ناقلة لما تصل إليه بِحَسَبِ قدراتها التي خلقت لها، وكُيِّفت مع الوسط الكوني في مجال الشهادة، وإدراك الحقيقة لا يكون إلا بها، سواء باستعمالها معًا، أم الاستعانة بوسائل مُساعدة من أجهزةٍ وآلات.

فالمعرفة الحسية اليقينيَّة هي التي تقدِّم شهادةَ الحسِّ، مؤكِّدة قاطعة عندما تتواتر شهادات الحس هذه، وتتفق مع الحواس الأخرى، ولا تتعارض مع أصول العقل وقوانينه، أمَّا عندما تنزل عن هذا المستوى، فإنَّ قيمتها المعرفيَّة تتراجع إلى ما دونها حتى آخر مرتبة الظَّن المرجوح.

فأحَدُّ الناس بصرًا لا يتمكن من رُؤية ما هو موجود إلا قدرًا يسيرًا، بالنظر إلى ما لا يستطيع رُؤيته، فهو يَملك من البصر بمقدار ما يرى، ولديه من العمى بمقدار ما لا يستطيع رُؤيته، وهكذا النسبية في جميع الحواس، فالحواسُّ الخمس لا تستطيعُ الإحاطة بكل شيء، ولو قُدِّر لأي من الناس غير هذه الحاسة، لربَّما اكتشف أشياء كثيرة مغيبة عنَّا، وقد اكتشف العلماء أن الفضاء مملوء بالصور التي لا نستطيعُ مشاهدتها بالنظر المجرد؛ لعَدَمِ وجود قدر من الانسجام والتوافُق بين وضعها ووضع أبصارنا، وهذه في السمع كذلك، فهناك مستوًى يعلو عن مستوى سمعنا، وآخر دونه، وثَمَّة أجهزة تقارِب الصور والصوت؛ فنرى ما لا نبصر بأعيننا، ونسمع ما لا نسمع بآذاننا، نتدبر في قوله - تعالى -: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [الحاقة: 38 - 39]، وقوله: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 212].

العالَم عالَمَان: شهادة، وغيب، والغيب نسبي، وهو حتى في عالم الشَّهادة، فنَحْنُ لا نرى الجنَّ والشيطان، والحيوانات من كلاب وحمير تراها، ونحن لا نسمع خطاب الجان، وصراخَ الموتى في القُبُور، ولا كلامنا يَصِلُ إليهم، أقل من ذاك كله الأضواء، فالمبصر لنا سبع موجات، أمَّا ما فوق البنفسجي وتحت الأحمر، فلا تدركه أبصارنا؛ لذا نجد الكثير من الباحثين يقرِّرون أنَّ دَوْرَ الحواس نقل المحسوسات من العالم الخارجي إلى النفس، ولكن دون معيار يُتيح لها التمييز، غير النفس المدركة، بل ذهب بعض الفيزيائيين إلى أنَّ الألوان لا توجد في الطبيعة بل في العقل فقط، مستدلين بمرض عمى الألوان، فالحواس هنا صادقة في النَّقل، والعلة في خلايا الدماغ.

أمَّا طرح البعض بأنَّ الحواسَّ لا تُميِّز، بل قولهم حول إمكان المعرفة وصدق الحواس بأنَّها احتمالية غير يقينية، وقد يكون ما نتيقَّنه خيال أو وَهْم أو حتى حلم يقظة، فهذه سفسطة، نتجنب الخوضَ فيها، و"الشك" هذا مرض أعاذنا الله منه، وأصحابه مرضى؛ فحال شفائهم يناقشون.

والبصر والسمع لم يُنْفَ عنهما اليقين في القرآن الكريم إلا في حالة وجود عوائق؛ {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر: 15]، فهنا كان ذهاب العقل لتعطيل قدرة البصر؛ إمَّا لسكر العقل وتخدره، أو بتأثير السِّحر على الأعين؛ قال تعالى: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100]، وهنا السمع سمع استجابة، فكلُّ ذم للحواس في القرآن أو قطع لها عن العلوم إنَّما هو لمرتبة أعلى من مَرتبة الإدراك الحسي العام، فكلها حول الهداية التوفيقيَّة التي تكون جزاءً من الله - تعالى - على ترك الهداية الإرشادية بإرادة من الإنسان نفسه، والعقاب بقطعها جزاء عن الإعراض عن الاهتداء بعد السَّمع والبصر والفهم للحجة، فتحجب الهداية التوفيقيَّة، وتبقى الإرشادية الخاضعة لإرادة الإنسان[8].

فالله - تعالى - منح عباده الحواسَّ؛ لينتفعوا بها على قدر ما مَنَحَهم من قدرة ومجال يدركون فيه، وهو مُشترك بين جميع المكلفين، ثُمَّ يقوى من فرد لآخر ومن حاسة لأخرى، غير أنَّ الطاقة البشرية لا تقتصر على الحسِّ دون غيره طريقًا للمعرفة؛ لأنَّ ذلك يدخل في مزالق عدة، فالله - تعالى - أثبت الحجية على عباده بأنْ مَنَحَهم ثلاثَ طرق وأدوات للمعرفة؛ {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].

الفرع السادس: أهمية الحواس معرفيًّا في القرآن الكريم:
مِن تدبُّر مواضع ذكر الحواس في القرآن الكريم نستخلصُ منه فوائد منها:
1- القرآن الكريم يُعبِّر عن الحواس على أنَّها من نعم الله - تعالى - التي تستحقُّ الشكر والعمل بها لإدراك الغاية المرجُوَّة لها للآخرة، وتعطيلها عن فهم الغاية من الخلق والاستجابة للحق يَجعل صاحبها في مقام البهيمة، حواسها لحياتِها البيولوجيَّة وبقائها حيةً فقط.
2- لم توضعْ حدودٌ فاصلة بين الحواس وغيرها من وسائل المعرفة، فلقد اقترن القلب والفؤاد بها على أنَّها كلها وسائلُ للمعرفة وطرق لتحصيل العلم؛ {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً} [الأحقاف: 26]، فلقد كمل القرآن الإدراك الحسي بإدراك آخر هو إدراك القلب والفؤاد.
3- مُنِحَت الحواسُّ ثقةً في القرآن الكريم ينبغي للإنسان أنْ يُوليها لها، بحيث تكون معطياتها منطلقَ التفكير والتدبُّر، فالدعوة المستفيضة إلى تأمُّل المخلوقات من سماوات، ونجوم، وكواكب، وأرض بجبالها وبِحارها، وخيراتها، والأنفس بما وَهَبها الله - إنَّما هو دليل دامغ على الوثوق بوسيلة التأمُّل؛ والناقل للمُتَأمَّل إلى مركز التأمُّل حكمة منه.

فالقرآنُ لم يُهمل الحواس الإنسانيَّة، ولم يُشكك فيها مثلما فعلت بعضُ الفلسفات العقليَّة، وكذلك لم يرفع القرآن الحواسَّ فوق الوسائل الأخرى، مثلما فعل التجريبيُّون الحسيون.

فالاعتدال في القرآن نحو الحواسِّ لم يدع مجالاً لمشكلة حقيقيَّة؛ ذلك أنَّ معطيات الحس في القرآن هي المادة الأولى التي تعملُ عليها وسائلُ الإدراك الأخرى، أو بعضها على الأقل، ولا يدرك روعة وقيمة هذا الحل القرآني الواضح اليسير لمشكلة الحس إلاَّ مَن أحاط علمًا بالصراع الذي أجَّجه الفلاسفة مِنْ أنصار ومن معاندي أهمية الحواس على السواء.

فالحس هو أحد الطُّرق الثلاثة لتحصيل المعرفة الإنسانيَّة، بل هو أصل المعرفة العقلية والخبريَّة؛ فالعقلُ خاصيته الاعتبار والقياس والتعميم؛ لذا لا بُدَّ أن يعتمد على المبادئ الحسية، وكذا الخبر لا بُدَّ أن يكون في أصله إخبارًا عن قضايا حسية، وما لا يُمكن معرفته بالحس، فلا وجودَ له بالخارج، وتقسيم الأمور الخارجية إلى معقولة ومحسوسة غير صحيح.

قال ابن تيمية: "إنَّ المعقول الصرف الذي لا يُتصور وجوده في الحس، هو ما لا يوجد إلا في العقل، وما لا يُوجد إلا في العقل لم يكن في الخارج عن العقل"، فأمورُ الجنة والنار وعذاب القبر ونعيمه بينتِ الرُّسل أنَّها أمورٌ حسية، يَجوز إدراكها، حتى الرُّوح وذات الله - تعالى - يُمكن رؤيتها بالأبصار، لكن لما كانت غائبة عنَّا سميت "غيبًا" مقابل "الشهادة"، ولم تُسمَّ معقولة مقابل المحسوسة، فالقُرآن الكريم قسم المعلوم إلى عالمين مشهود وغيبي، والمشهود في عالم الشهادة كذلك مشهود وغيبي نسبي، هذه هي مصطلحات القرآن، ولم يرد أن المعجزات، وعالم الجنَّة، والجان، والملائكة أنَّها معقولة غير مَحسوسة، بل هذا التقسيم مغرض، وأصحابه سحبوا ذلك على النظريات القائلة بأنَّ الأنبياء حاولوا تصوير الخيال واقعًا؛ ليرهبوا ويرغبوا الناس، ومعلوم بطلان هذا.

فالعلم بمطابقةِ المقدر الموجود في الخارج، والعلم بالحقائق الخارجيَّة - لا بُدَّ له من الحس الباطن والظاهر، ورَغْم القول بالتمايُز والفصل بين الحواس؛ من حيث التعامُلُ مع المعلومات وتوظيفها؛ فإنه من الناحية المعرفية هنالك تكاملٌ؛ لأنَّ أحدهما لا يستقلُّ عن الآخر في المعرفة وتلقي المعلومات.

فالعقلُ يَحتاج إلى المعلومات الأولية التي يتلقَّاها عن الحس، والحس يكتسبها من الواقع، ولا يَحمل لا العقل ولا الحواس معلومات قلبيَّة، فالحواس هي وسائلُ العقل للاتِّصال الخارجي؛ يقول ابن تيمية: "فأمَّا أنَّ العقلَ الذي هو عقل الأمور العامَّة التي أفرادها موجودة في الخارج يحصل بغير الحس، فهذا لا يُتصور، وإذا رجع الإنسانُ إلى نفسه في مثل: الواحد والاثنين، والمستقيم والمنحنى، والواجب والممكن والممتنع، ونحو ذلك مما يَفرضه هو ويُقدره، لوجد ذلك، فأمَّا العلم بمطابقة ذلك المقدر للموجود في الخارج، والعلم بالحقائق الخارجيَّة؛ فلا بد فيه من الحس الباطن أو الظاهر، فإذا اجتمعَ الحس مع العقل كاجتماعِ البصر والعقل، أمْكَنَ أن يدرك الحقائق الموجودة المعيَّنة، ويعقل حكمها العام الذي يندرج فيها أمثالها لا أضدادها، ويعلم الجمع والفرق، وهذا هو اعتبار العقل وقياسه".





تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2011, 11:57 AM   #6
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم


[1] من النَّاس مَن يقول: إنَّ للنَّفس حاسة سادسة تُدرك بها عوارضَ النفس، كالجوع والعطش والشبع، والأصحُّ ما عليه العامَّة وهو الخمس؛ لأنَّ لكلٍّ منها علم مخصوص بآلة مخصوصة به، أمَّا ما يُدرك من عوارض النَّفس، فمن دون اختيارٍ إذا وجد شرطه.، انظر: "موسوعة الألفاظ القرآنية"، مختار فوزي النعل، اليمامة للطباعة، بيروت، ط1، 1423، ص43.
[2]تتكون الأذن من أجزاء ثلاثة هي:
أ- الأذن الخارجيَّة: وتتكون من الصيوان، والقناة السمعيَّة الخارجية، وظيفة هذه القناة جمع الموجات الصوتيَّة، وإيصالها إلى غشاء طبلة الأذن، عند نهايتها الداخليَّة.
ب- الأذن الوسطى: وهي حجرة دقيقة تحتوي على العُظَيْمات السمعيَّة، المُهيَّأة لنقل الذبذبات من غشاء الطبلة إلى عُضوِ السمع الحقيقي في الأذن الداخليَّة.
ج- الأذن الخارجية: وتتكون من أكياس غشائيَّة مُتَّصلة فيما بينها، وتتركز بإحكام في تجاويف العظم الصدغي، وقد بلغت من التعقيد في الشكل بحيث تسمى "التيه العَظْمي"، وهذه الأكياس أعضاءٌ حسية رقيقة تُمكننا من السمع.
المرجع نفسه، ص43، و ص66، "معجم دقائق العربية وجامع أسرار اللغة وخصائصها"، الأمير أمين آل ناصر الدين، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط1، 1997، ص75، "الكليات"، الكفوي، ص495، "تَيسير الكريم الرحمن"، السعدي، ص28.
في الآية تقرير لما مرَّ من أنَّ على قلوبِهم أكنَّة مانعة من الفقه، وفي آذانهم وقرًا، وحاجزًا من السماع، وتحقيقٌ لكونِهم بذلك من قبيل الموتى، لا يتصور منهم الإيمان أَلْبَتَّة، والاستجابة والإجابة المقاربة للقَبول؛ أي: إنَّما يقبل دَعوتك إلى الإيمان الذين يسمعون ما يُلقى إليهم.
"تفسير أبي السعود: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم"، أبو السُّعود بن محمد العمادي؛ تحقيق: عبدالقادر أحمد عطا، دار الفكر، الرياض، 1981، (2/129).

[3]قال ابن القيم عن السماع: "ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] منزلةُ "السماع"، وهو اسم مصدر، وقد أمر الله به في كتابه، وأثنى على أهله، وأخبر أن البشرى لهم، فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا} [المائدة: 108]، وجعل الإسماع منه والسماع منهم دليلاً على علم الخير فيهم، وعدم ذلك دليلاً على عدم الخير فيهم، فقال: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْاوَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23].
وأخبر عن أعدائه أنَّهم هجروا السماع ونهوا عنه، فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26].
فالسماع رسولُ الإيمان إلى القلب، وداعيه ومعلمه، وفي القرآن قوله: {أَفَلَا تَسْمَعُونَ} [القصص: 71]، فالسماع أصلُ العقل، وأساس الإيمان الذي انبنى عليه، وهو رائده وجليسه ووزيره، ولكنَّ الشَّأن كل الشأن في المسموع، وفيه وقع خبط الناس، واختلافهم، وغلط منهم مَن غلط، وحقيقة "السَّماع" تنبيه القلب على معاني المسموع، وتحريكه عنها؛ طلبًا وهربًا، وحبًّا وبُغضًا، فهو حادٍ بكل أحد إلى وطنه ومألفه".
"مدارج السالكين"، ابن القيم، ص481، 482، "المفردات"، الراغب، ص358.
[4] قالوا في محاسن العين: الدَّعَج: أن تكون العين شديدة السواد مع سعة المُقلة، البَرَج: شدة سوادها، وشدة بياضها، النَّحَل: سعتها، الكَحَل: سواد جفونها من غير كُحل، الحَوَر: اتِّساع سوادها كما هو في أعين الظِّباء، الوَطَف: طول أشفارها وتَمامها، الشُّهلة: حمرة في سوادها.

انظر: "فقه اللغة وسر العربية"، أبو منصور الثعالبي، ص115-116، "الكليات"، الكفوي، ص247، "التعريفات"، الجرجاني، ص55، "معجم ألفاظ القرآن الكريم"، مجمع اللغة العربية، (1/100)، "الكليات"، الكفوي، ص474، "تيسير الكريم الرحمن"، السعدي، ص246، "المفردات"، الراغب، ص59، "بصائر ذوي التمييز"، الفيروزآبادي، (2/222).

[5]حاسة البصر إحدى أبواب القلب، وأعمر الطرق إليه، وعملها أكثر أعمال الجوارح وقوعًا وتكرارًا، مما عدا التنفس.
انظر: "زبدة التفسير"، سليمان الأشقر، ص701، "النظر في أحكام النظر بحاسة البصر"، أبو الحسن علي بن محمد القطان الفاسي؛ تحقيق: إدريس الصمدي، دار إحياء العلوم، بيروت، ط1، 1996، ص63.

[6] أما وجوب النَّظر بحاسة البصر، فيكون للشَّهادة، والاستحباب بالنَّظر في ملكوت الله - تعالى - للتفكر والاتِّعاظ، والتحريم للعورات وكل ما يفتن ويوقع في محرم، والكراهة إلى ما يستقبح، والإباحة كالنظر إلى كل ما خرج عما تقدم. انظر: "المفردات"، الراغب، ص499، "الكليات"، الكفوي، ص905، "فقه اللغة وسر العربية"، عبدالملك الثعالبي، ص118-119، "الأعلام"، الزركلي، (4/137)، و (3/327)، "بدائع الفوائد"، ابن القيم، مج2، ج3، ص142، "الرد على المنطقيين"، ابن تيمية، ص81.

[7]المعاينة قد تحصل سماعًا، إذا استثنينا وصف المرئيَّات، فالعلم غالبه قد ينقل مشافهة، وفاقد البصر قد يعوضه سمعه في التلقين، لكن فاقد السمع لا يُمكنه معرفة اللغة، ولا فهم الكلام، فكان بهذا تحصيله للعلوم عسيرًا، لكن نضيف لغة الإشارة، فهذا يعوض عن التلقين بالسَّماع، ويَجتمع مع تَمكن الأصم المبصر من القراءة، لكن أقل من السامع الأعمى.
انظر: "نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة"، راجح الكردي، ص552، "التحرير والتنوير"، ابن عاشور، (13/232)، "تفسير المنار"، رشيد رضا، (11/355)، و(10/156)، "نظرية المعرفة في القرآن الكريم"، أحمد الدغشي، ص226، "القرآن وعلم النفس"، محمد عثمان بخاتي، دار الشروق، بيروت، ط5، 1993، ص126-127، "التفسير الكبير"، الرازي، (1/186)، ظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة"، راجح الكردي. ص554، شرح نظم الورقات في أصول الفقه للمبتدئين"، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الهيثم، القاهرة، ط1، 2002، ص34، "الفصل في الملل والأهواء والنحل"، علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، تحقيق: محمد إبراهيم نصر، وعبدالرحمن عصيرة، دار عكاظ، الرياض، ط1، 1983، (5/366-367)، "ضوابط المعرفة"، الميداني، ص134، "بصائر المسلم المعاصر"، عبدالرحمن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق، ط2، 1988، ص59، "نظرية المعرفة في القرآن الكريم"، أحمد الدغشي، ص235، "العقيدة الإسلامية"، عبدالرحمن حبنكة الميداني، ص15، "نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان"، فؤاد زكريا، ص190-205.

[8]الحواس في القرآن إذا عطلت مع التكليف، فالمراد ذلك الاستجابة والهداية التوفيقية الخارجة عن إرادة الإنسان، بل هي من الله - تعالى - يَمنحها جزاء على الاستجابة، وإذا عطلت مع انتفاء التكليف، فإما لمرض أو لحاجز مانع، ولم يرد قطُّ التشكيك في يقينها، بل كان التشكيك غالبًا في قُدرات الإدراك؛ أي: فهم ما نقلت الحواس؛ {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198]، فالنَّظر تحسس المرئي، والبصر هنا إدراك الصُّور المرئية، فأثبتت الرؤية، ونُفِيَ الإدراك، فاليقين منقوص في الإدراك لا في الإحساس.
انظر: "تجديد التفكير الديني في الإسلام"، محمد إقبال، ترجمة: محمود عباس، دار الترجمة: القاهرة، ط2، (د.ت)، ص146، "تأمُّلات حول وسائل الإدراك في القرآن الكريم"، محمد الشرقاوي، ص12، "درء تعارض العقل مع النقل"، ابن تيمية، (5/134)، "تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية"، إبراهيم عقيلي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، ط1، 1994، ص367، "نقض المنطق"، ابن تيمية، (ص: 202- 203).





تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2011, 12:03 PM   #7
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم


بين السمع والبصر في القرآن الكريم

يلحظ الذين يتلون كتاب الله، ويتدبرون آياته، أن السمع والبصر يلتقيان فيه مرادًا بِهما الحاسَّتان ثلاثَ عشرة مرَّة، جاء السمع فيها كلها مفردًا في اللفظ، وسابقًا في الذكر، وجاء البصر مجموعًا في اللفظ، ولاحقًا في الذكر، فمن ذلك قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]، وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأحقاف: 26].


وما كان القرآن ليجمع بينهما على هذا النحو من الفرقة والتمييز مع توافق الكلمتين في الدلالة على المصدر، وتقابلهما في الذكر إلا لناشئة من حكمة، أو داعية من سر، ولم يفت المفسرين - على العهد بهم - أن يلحظوا هذا الخلاف، وأن يتلبثوا به، يعملون النظر فيه، ويبتغون الوسيلة إلى سره ومأتاه.


فأما التفريق بينهما في الإفراد والجمع، فقد رجعوا فيه إلى اللغة يستفتونَها، ويلتمسون الرأي عندها، فإذا لهم منها في تخريجهما وجهان:
أحدهما: أن السمع في أصله مصدر، والمصدر من أسماء الأجناس، فيدل مثلها على القليل والكثير، فالسمع في الآيات بمعنى الأسماع، وقد يلمح إلى ذلك جمع الأذن في مثل قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ} [فصلت: 5].
والوجه الآخر: أن يقدر مضاف قبل السمع، فيكون المعنى في الآية الأولى: وجعل لكم حواس السمع
[1].


وهذا الذي نقلوه عن اللغة حقٌّ لا مرية فيه، ولا خلاف عليه، ولكنه لا جدوى منه، ولا مقنع به فيما نحن بسبيله؛ لأنَّه لم يبين لنا: لماذا جمع البصر وحده، ولم يجمع السمع معه، وكلاهما مصدر؟ ولم يبين: لماذا اختص السمع بالإفراد لفظًا، والدلالة على الجمع معنى، واختص البصر بالجمع لفظًا ومعنى؟ هلا كانا سواء في الإفراد والجمع.


وما أظن إلا أنَّ المفسِّرين قد سكتوا عن ذلك وفي نفوسِهم منه شيء، ولكن ماذا عسى أن يصنعوا أكثر مِمَّا صنعوا، وقد ألفوا في دهرهم الطويل أن يكلوا إلى اللغة وحدها أكثر ما يحزُبُهم من مشكلات التفسير؟ وقد أفضت إليهم اللغة بما عندها في هذه القضية، وأوفت معهم على الغاية جهد ما تطيق، وكأنما كتب على الدرس في تسلسله، وتتابع حلقاته أن يند بعض منه عن وعي العاكفين عليه، ليرِثَه الخالفون عنهم، فيتداركوا ما كان فيه من فوت، ويُتِمُّوا ما أصابه من نقص، ولأمر ما قالوا: كم ترك الأول للآخر!


ولقد كان خيرًا للمفسرين وأجدى عليهم أن يرجعوا إلى القرآن نفسِه، عسى أن تلوح لهم منه ومضة من نور، أو تلقى إليهم أثارة من علم، ولعلهم لو تعلَّقوا بِها، وقلَّبوا النظر فيها، أن يكون لهم منها هدى وبلاغ.


لنأخذ إذًا بما لم يأخذوا به، عسى الله أن يفتح بالرأي، ويهدي إلى الحق، وهذه آية موصولة الأسباب بآيات السمع والبصر، وهي منها على شبه قريب، تذكر مثلها، والمقام في ظاهر الأمر لسواه، وهي قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19].
فالآيةُ تبدأ بإشارة إلى فريقين يختصمان في الله: فريق مؤمن، وآخر كافر، ثم تنصرف إلى الإخبار عنهما، لا كما تُخْبِر عن مُثنَّى؛ بل كما تخبر عن جمع، فلا يتطابق الخبر والمخبر عنهما، لكن هذا التخالف يصف حالاً طارئة، ويشير إلى سر مكنون؛ فالخصمان هنا يظلان في واقع الحياة خصمين اثنين، يقوم كل بموقعه، ويمارس أموره على طريقته، ما تركا الشقاق والشغب، وأقاما على المتاركة والسلم، وهما إذًا مثنى، يجري عليهما كل ما يجري على المثنى من أحكام التعبير، أما العدد الذي يتألف كلاهما منه، فلا وزن له هنا ولا حساب، فقد جمعت بينه العقيدة، ولزته العصبية بعضه إلى بعض، فإذا هو جمع عددًا، ولكنه مفرد حكمًا وتقديرًا، والخصومة إذًا قائمة بين صفين متراصين، لا بين أشتات من هؤلاء وهؤلاء.


أمَّا إذا بدتْ بينهما العداوة، وهاجتهما الحمية، وراح كل يستنفر أصحابه، ويحرضهم على النصرة والمشاركة، فقد انتشر الجمعان، وانفرط العقدان، وانقلبت الخصومة من جمع لجمع، إلى فرد لفرد، حتى ليعجل كلُّ إلى صاحبه فيوقع به ما أمكنت الفرصة منه، فحق على المثنى إذًا أن يخلي مكانه للجمع، فقد أصبح المقام له، هو وحْدَهُ القادِرُ على أن يَحكي هذه الصورة، وأن يخيلها للذهن بالإشارة الدالة، والإيماءة الموحية.


وآية أخرى تصف مثنى مؤنثًا بجمع مذكر سالم، وهي قوله تبارك اسمه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]، فالأمر هنا لخلقين اثنين: السماء والأرض، فقد كانتا إذ ذاك ولا شيء معهما، وكان جوابُهما جواب جمع مذكر، تريدان أنَّ طاعته تعالى لن تكون منهما وحدَهُما كما كان الأمر لهما وحدهما، ولكن منهما ومِن كل مَن فيهما مِن خلقه، سبحانه وتعالى.


يتبيَّن من ذلك أنَّ القرآن حين يحل المخالفة محلَّ المطابقة لا يصنع ذلك جزافًا أو على ما خيلت، ولكن لأمر يراد، وأن من الخير إذا لم تسعف اللغة بالرأي فيه عن سماحة ويسر، ألا نحملها على تكلف الرخص وانتحال الأسباب؛ بل نرجع فيه إلى القرآن ما وجدنا إليه سبيلاً، ففيه حينئذٍ غناء خير منها، وعنده لا عندها الخبر اليقين.


وإذا نحن رجعنا من هنا إلى آيات السمع والبصر، تصحبنا تلك الخواطر التي فصلنا آنفًا، فماذا عسى أن نجد هناك؟ نجد أن السمع لا شأن له بغير الصوت، ولا معاملة له إلا معه، فهو يحمله إلى صاحبه، ويبلغه إياه على ما هو عليه، ولا مزيد، والصوت في واقعه شيء واحد، وإن تعددت ينابيعه، وتباينت أوصافه، وليس كذلك البصر، فإنه يدرك المرئيات كافَّة، وهي مع كثرتِها تختلف في مادَّتِها وتكوينها، وفي هيئاتِها وأشكالها، وفي أوصافها وألوانِها.


والقرآن إذ يذكر السمع بلفظ المفرد، ويقرن إليه البصر بلفظ الجمع، إنما يشير إلى أنَّ الحاسَّتين ليستا سواءً في مبلغ كلٍّ من عدد المدركات، وفي حظِّ كلٍّ من التَّلَقِّي عنِ الحياة والعمل لصاحبه، فالسمع يُدْرِك شيئًا واحدًا، هو الصوت، والبصر يدرك أشتاتًا من المرئيات، كأنه جمع من الحواس، لا حاسَّة واحدة.


فذكر السمع مُفْردًا يعني المطابقة بين لفظه ومسماه، وبين لفظه وعمله في وقت واحد، وذكر البصر بلفظ الجمع يعنِي التفرقة بينه وبين السمع في عدد المدركات من جانب، ثم المطابقة بين لفظه وتعدد مدركاته، بِما يَجعله شبيهًا بالجمع، وأهلاً لأن يعامل معاملته في التعبير عنه من جانبٍ آخَر.


أمَّا حين يذكر البصر ولا يذكر معه السمع، فإنه يذكر أخذًا على المعتاد من المطابقة بين الألفاظ ومعانيها مفردة وغير مفردة؛ إذ لا مجال إذ ذاك لمفاضلة ولا ترجيح، وما هو إلا البصر كما يراه الله تعالى في حقيقته، حاسة من الحواس ليس غير، ومن ذلك قوله تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]، وقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، وقوله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2].


وقد ذكر الفؤاد مع السمع والبصر في خمس آيات، وجاء فيها كلها مجموعًا كالبصر، مثل قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78]، وحكمة ذلك - والله أعلم - أن الفؤاد تتعدد أحواله، كما أنَّ البصر تتعدَّد مدركاته، فهو يجيش بألوان من العواطف، وتنبعث فيه ضروب من المشاعر والانفعالات.


كذلك يجمع القرآن السمع والبصر والفؤاد في آية واحدة، ويذكرها جميعًا بلفظ المفرد، وهي قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36]، ولعل ذلك - والله أعلم - لأن المقام ليس للإشارة إلى مدركاتها، والمفاضلة بينها، ولكنه للنهي عن اتباع المرء ما لا يعلم من قول وفعل، والإنذار بأنه مسؤول عما يسمع، وما يبصر، وما ينوي من شيء، فيقال له يوم القيامة كما في "الكشاف": "لِمَ سمعت ما لم يحلَّ لك سماعه؟ ولِمَ نظرت إلى ما لم يحَّل لك النظر إليه؟ ولِمَ عزمتَ على ما لم يحلَّ لك العزم عليه؟"
[2]، فالسمع هنا يعني المسموع، والبصر يعني المرئي، والفؤاد يعني المنوي.


هذا قولنا في ذكر السمع مفردًا، والبصر جَمعًا حين يلتَقِيان، ثُمَّ في ذكر البصر حين يفرد وحْده بالذِّكر، وبقي أن نقول في ذكر السَّمع سابقًا، والبَصَر لاحِقًا، وألاحظ قبل القول في ذلك أن السمع لا يسبق البصر حين يكون كلاهما حاسَّة عاملة ليس غير، كما في الآيات التي مضت آنفًا، ولكنه يسبقه أيضًا حين يكون كلاهما وصفًا مميزًا لصاحبه، وقد ذكرا كذلك في إحدى عشرة آية، منها قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75]، وقوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2].


أما القول في سبق السمع، وتأخر البصر، فهو القول بما يدل عليه حال الترتيب نفسه، فما من أحد يأخذ في كلامه بترتيب معين، يلتزم فيه تقديم شيء على قرينه، لا يعدل عنه، أو يراوح فيه إلا وهو يريد الإشارة بذلك إلى إيثار المقدم لفضل مزية فيه دون قرينه، فكيف هو بين السمع والبصر على ترتيبهما في كلام العليم الخبير؟
وقديمًا رأى الخليفة الأول أن ذكر المهاجرين قبل الأنصار في القرآن الكريم آية مزية، وشارة تفضيل، ولذلك أقبل - رضي الله عنه - يحاجُّ الأنصار في الخلافة يوم السقيفة، ليصرفهم عن طلبها، ومنازعة المهاجرين فيها، فيقول فيما يقول: "أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم"
[3].


أمَّا القدماء فقد تفرقت بهم السبل في القضية: فقال قوم بتفضيل السمع؛ لأنه "يدرك به الجهات الست، وفي النور والظلمة، ولا يدرك البصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء وشعاع"، وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع؛ لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات، والبصر تدرك به الأجسام، والألوان، والهيئات
[4].


إذًا ليس في تقديم السمع على البصر في القرآن أمارة فضل له عليه عند أكثر المتكلمين، إذا صح أنهم قالوا عنه ما قالوا في حضرة القرآن، وعلى ذكر منهم لآياته، لا أنهم قالوه ذهابًا مع البحث المُجَرَّد، وإيغالاً في طلب الحقيقة خالصة من الحدود والقيود.


وأيًّا ما يَكُنِ الأَمْرُ فلا حَرَجَ على بَاحِثٍ أن يرى في القضيَّة رأيًا، ويدلي فيها بدلو إن كان من أصحاب الدلاء، إذًا يمكن أن يقال: إن مدار الحكم للبصر على السمع عند الذين يصفهم القرطبي بالأكثرين هو أن البصر أكثر مدركات من السمع، كأنَّ الأمر تكاثر بالعدد، وليس مفاضلة في القيمة والقدر، والعدد إن يهن شأنه وتقل قيمته لا تغن الكثرة عنه شيئًا، ولا يستوجب بها فضلاً على عدد من نوعه أقل جملة وأكبر نفعًا.


وحسب السمع فضلاً أنَّ من يفقده ناشئًا يفقد أكرم ما يعتز الناس به، ويتفاضلون فيه: المعرفة الفاضلة، والتعبير باللفظ المبين، ولا تعدو الحياة عنده أن تكون معرضًا لأشتات من المشاهد والصور والألوان، لا يعرف لها معنى ولا يكتَنِهُ لها سرًّا، ولا كذلك الذي يفقد البصر ناشئًا مثله، فإن تحجب الحياة عن ناظريه رؤية وعيانًا - لا تحجب عن أذُنَيْهِ علمًا وذوقًا، ولا تمتنع على خياله ألوانًا وصورًا، بما ترفده به اللغة من مادة، وما تعرض عليه من تصنيع المبصرين، والله مؤتيه من بعد نصيبًا من الألمعية التي ينعم بها على جَمهرة المُبْصِرين، منة فاضلة، وعوضًا صالحًا، وبديلاً مقاربًا، ثم هو فوق ذلك كله أحضر ذهنًا، وأجمع وعيًا، وأوسع استيعابًا، لا يصرفه شاغل من شواغل البصر عما يكون فيه من شأن، ولا ما يكون منه بسبيل.


ويحدث التاريخ في عصوره المتعاقبة عن مكفوفين كبار، استطاعوا بالجد الدائب والعزم الصادق، أن يبلغوا مبلغ النابهين المقدمين من أعيان العلماء والأدباء، وأن يأتوا بمثل ما أتوا به من ثمرات العلم والأدب؛ بل ربما كان منهم من بز أقرانه من المبصرين، وجاء من بينهم بأعجب الأعاجيب، لا يقعد به أو يرده عن مقام الصدارة أن كف بصره في عهد الصبا، أو مطلع الشباب.


نذكر من هؤلاء ابْنَ سِيدَه صاحب "المحكم" و"المخصص" و"المحيط الأعظم" في اللغة، إلى كتب أخرى في النحو، والقوافي، والحكمة، والعكبري صاحب أكثر من ثمانين كتابًا في علوم القرآن، والأدب، وفروع اللغة، والسهيلي مؤلف "الروض الأنف" في شرح السيرة النبوية، إلى كتب غيرها في القرآن، والنحو، وعلم الكلام
[5].


ويروي الجاحظ بيت ذي الرمة في صاحبته:
حَوْرَاءُ فِي دَعَجٍ صَفْرَاءُ فِي نَعَجٍ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ

ثم يقول: "إن المرأة الرقيقة اللون، يكون بياضها بالغداة يضرب إلى الحمرة، وبالعشي يضرب إلى الصفرة"، ويؤيد ذلك بقول الأعشى في صاحبته أيضًا:
بَيْضَاءُ ضَحْوَتَهَا وَصَفْ رَاءُ العَشِيَّةَ كَالعَرَارَةْ

ثم يروي قول بشار لصاحبته:
وَخُذِي مَلاَبِسَ زِينَةٍ وَمُصَبَّغَاتٍ فَهْيَ أَفْخَرْ
وَإِذَا دَخَلْتُ تَقَنَّعِي بِالحُمْرِ إِنَّ الحُسْنَ أَحْمَرْ

ويعقب على المشهدين، فيقول: "وهذان أعميان قد اهتديا من حقائق هذا الأمر ما لا يبلغه تمييز البصير، ولبشار خاصة في هذا الباب ما ليس لأحد"[6].


ولا ندري ماذا كان الجاحظ قائلاً لو تأخر به الزمن، فقرأ قول المعري، في بعض مشاهد الطبيعة:
رُبَّ لَيْلٍ كَأَنَّهُ الصُّبْحُ فِي الحُسْ نِ وَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ الطَّيْلَسَانِ
قَدْ رَكَضْنَا فِيهِ إِلَى اللَّهْوِ لَمَّا وَقَفَ النَّجْمُ وِقْفَةَ الحَيْرَانِ
إلى أن يقول:
لَيْلَتِي هَذِهِ عَرُوسٌ مِنَ الزَّنْ جِ عَلَيْهَا قَلاَئِدٌ مِنْ جُمَانِ
هَرَبَ النَّوْمُ عَنْ جُفُونِيَ فِيهَا هَرَبَ الأَمْنِ عَنْ فُؤَادِ الجَبَانِ
وَكَأَنَّ الهِلاَلَ يَهْوَى الثُّرَيَّا فَهُمَا لِلوَدَاعِ مُعْتَنِقَانِ
ثم يقول:
وَسُهَيْلٌ كَوَجْنَةِ الحِبِّ فِي اللَّوْ نِ وَقَلْبِ المُحِبِّ فِي الخَفَقَانِ
مُسْتَبِدٌّ كَأَنَّهُ الفَارِسُ المُعْ لَمُ يَبْدُو مُعَارِضَ الفُرْسَانِ
يُسْرِعُ اللَّمْحَ فِي احْمِرَارٍ كَمَا تُسْ رِعُ فِي اللَّمْحِ مُقْلَةُ الغَضْبَانِ
ضَرَّجَتْهُ دَمًا سُيُوفُ الأَعَادِي فَبَكَتْ رَحْمَةً لَهُ الشِّعْرَيَانِ
قَدَمَاهُ وَرَاءَهُ وَهْوَ فِي العَجْ زِ كَسَاعٍ لَيْسَتْ لَهُ قَدَمَانِ
ثُمَّ شَابَ الدُّجَى وَخَافَ مِنَ الهَجْ رِ فَغَطَّى المَشِيبَ بِالزَّعْفَرَانِ[7]
أظن أننا بعد هذا لا نظلم البصر، أو نغض من قدره حين نقول: إن السمع خير منه عاقبة، وأكبر نفعًا، وأحمد صنعًا، فالتفاضل من سنن الطبيعة، والله تعالى يقدر الأشياء بقدرها، وينزل كلاًّ منها بمنزلته، ففاضل ومفضول، ومقدم ومؤخر، كل على حسب ما خلق له، ووكل إليه.


وليست مطالب المرء سواء في غايتها، أو الوسيلة إليها، وما هو ببالغ مأمله منها على ما يشتهي ببعض أسبابه دون بعض، وإلا لم يأمن القصور عنه، ولا خيبة الرجاء فيه، فلكل نصيب من الظفر به والإمكان منه، وإذا كان البصر لا يسامي السمع في فضله، فإنه مع ذلك النور المبين، وفيه زينة ومتاع للمبصرين.

[1] "تفسير القرطبي": 1/ 165 – ط. دار الكتب المصرية، و"الكشاف" للزمخشري: 1/ 22 – ط. المطبعة البهية المصرية.
[2] "الكشاف" للزمخشري: 1/ 547.
[3] "البيان والتبيين": 3/ 379 – ط. لجنة التأليف والترجمة والنشر.
[4] "تفسير القرطبي": 1/ 165، 166.
[5] "نكت الهميان": 204، 178، 187.
[6] "البيان والتبيين": 1/ 225، و"نكت الهميان": 83، 84.
[7] "شرح التنوير على سقط الزند": 194، 195.





تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2011, 12:05 PM   #8
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم


القلب في القرآن
بعد أن تكلَّمنا حول الحواسّ، نبيِّن الجانب المكمل في التحصيل المعرفي، كما ورد في القرآن الكريم، وهو القلب، والذي ورد بمعانٍ وألفاظ؛ كالفؤاد واللبِّ، فكان في جميع الآيات التي بيَّنت طرق العلم وتحصيل المعرفة، بإثباتها أو نفيها، ذكر وسائل المعرفة وهي القلب أو الفؤاد ثم السمع والبصر؛ مثل: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

وفي الآية ما يفهم البليد فضلاً عن العاقل أن القلب أداة وظيفتها التعقل، والأذن أداة وظيفتها السمع، والعين (
البصر) أداة وظيفتها الإبْصار، وجمع بين القلب أو الفؤاد وحاسَّتي السَّمع والبصر في حوالي "20" آية، كلّها تنبئ أن القلب أداة داخلية في الجسم، دورها متكامل مع الحواس الخارجية، بخاصة السَّمع والبصر.

بل لم يرد قطُّ ذكر أنَّ غير القلب والفؤاد هو من أدوات العلم، بل عُزِيت جميع الوظائف العقلية من تعقل، وتفكر، وتدبر، ونظر، وتأمل وغيرها إلى جهة واحدة، وهي القلب أو الفؤاد أو اللب.

رغْم أنَّ هذه الدراسة لا ترمي إلى المقارنة بين المذاهب، فإنا نطرح إشكالاً لا يُصادف في غالب الدراسات حول نظرية المعرفة باسم القرآن الكريم، وهو أنَّه رغم إقرار الجميع بأن الأدوات المعرفية في القرآن الكريم ثلاثة لا رابع لها، وهذا ما يكاد يجمع عليه المفسرون قاطبة في تفسير الآيات التي جمعت القلب أوالفؤاد مع السمع والبصر - خاصة آية النحل: 78
[1] - فخصَّ السمع والبصر والفؤاد لشرفها عن باقي الأعضاء، ولأنها مفتاح لكل علم، فلا يُوصل إلى العلم دون هذه الأبواب الثلاثة، وهذا مما اتَّفق عليه العقلاء، وجميع علماء المسلمين، باختلاف طوائفهم ونِحلهم، وما يحزّ في النفس أنَّ بعض الباحثين - خاصَّة المعاصرين، رغْم الدلائل المتواترة تلك، بل وإقْرارهم الواضح بها - تجِدُهم بعد صفحات من تقْريرهم لها، ينتكِسون على رؤوسهم، فيجعلون العقل، وهو وظيفة بدلالة القرآن وكلام النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - واستعمالات اللغة العربيَّة وأهل الأصول، والفقهاء، والمتكلمين؛ يجعلون العقل جوهرًا وجسمًا بالرَّأس؛ أي: يتعاملون معه اصطلاحًا ومفهومًا على أنَّه "أداة" للمعرفة، وأنَّه جسم، فيقسمون الفهارس، ويجعلون العقْل مقابلاً للحواسّ، والإدراك العقلي مقابلاً للإدراك الحسي، فيحدث خلط في الفهم لأي قارئ متخصّص، بل لا يقدر عن فهْم أوجه الخلاف، وأشدّ من ذلك أن يقولوا بعد استِدلالهم بالقرآن على أنَّ العقل في القلب: إنه في الدماغ، ودون ذكر أي دليل على ذلك، والذي يتضح من البحث - وهو ما نواصل عليه الدراسة -: أنَّ القلب وسيلة وأداة للمعرفة، من وظائِفه التعقُّل، والمعرفة الناتجة عن القلب: إدراك قلبي، يقابل الإدراك الحسي، والعقل يقابل الإحساس لا الحواسّ، وسنبين كل ذلك في ثنايا البحث بالتفصيل - إن شاء الله.

الفرع الأول: مفهوم القلب في القرآن الكريم:
قال أهل اللغة في معناه: هو الفؤاد، والعقل المحض، وخالص كل شيء، والتقلُّب: الحيلة
[2].

والقُلَّب: الذي يقلب الأمور عن عِلْم بها.

فالقلب في أصل معناه: خالص كل شيء، وسميت المضغة الصنوبرية قلبًا؛ لكونها أشرف الأعضاء لما فيها من العقل - على رأي - وسرعة الخواطر والتلون في الأحوال، ولأنَّها مقلوبة الخلقة، والوضع كما يشهد به علم التشريح.

ومن تقاليبه القَبول والقابلية، وهو سيد البدن، المعوَّل عليه في الصلاح والفساد، وأعظم الأعضاء الموسومة بالسعة من جانب الحق، ومعدن الروح الحيواني للنفس الإنساني، ومنبع الشعب المنبثة في أقطار البدن، ومنه ترد الحياة إلى الأعضاء الجسمية؛ على قدر السوية بمقتضى العدل.

ويسمَّى عند بعض الفلاسفة: "بالنفس الناطقة، والروح الباطنة، والنفس الحيوانية المركبة، وهي النفس المدركة العالمة من الإنسان والمطالبة والمعاقبة"
[3].

قال الجرجاني: "القلب مصطلح على اللطيفة الربَّانية بالقلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع من الصدر، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان"
[4].

أمَّا القلب الصنوبري، فقيل إنه سبع طبقات هي[5]:
1- الصدر: وهو محلّ الإسلام ومحل الوسواس، والحفظ والذاكرة.
2- القلب: وهو محل الإيمان، والتعقّل، والسمع والبصيرة.
3- الشغاف: وهو محل محبة الخلق.
4- الفؤاد: وهو محل رؤية الحق.
5- السويداء: وهي محل العلوم الدينية.
6- مهجة القلب: وهي محل تجلي الصفات.
7- حبة القلب: وهو محل محبة الحق.

وأدلَّة كلّ طبقة:
{فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} [الأنعام: 125].
{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7].
{قَدْ شَغَفَهَا حُباًّ} [يوسف: 30].
{مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11].
{لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 179].
{وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11].

والقلب يطلق على أمرَين هما:
الأول: تلك المضغة الصنوبرية التي خلقها الله - تعالى - في جوف ابن آدم، وهي على هذا المعنى جزء من عالم الشهادة، كما هو معروف في علم الطب العضوي.
والثاني: تلك اللطيفة الروحانية التي لا يعلم أحدٌ بحقيقتها، وهي على هذا المعنى جزء من عالم الغيب
[6].
بهذا تتجلى في هذا الإنسان مكوناته المادية والروحية، فهو قبضة من طين، ونفخة من روح.

وفي حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - جمع المعنيين: ((ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))
[7].

قال ابن حجر
[8]: "أي: قدر ما يُمضغ، وعبَّر بها هنا عن مقدار القلب في الرؤية"[9].

فالإنسان لحم ودوْرة دموية، وهو مخلوق خلَقه الله بيده، ونفخ فيه من رُوحِه، وجعل له هذا القلْب الصنوبري سببًا من أسباب الحياة، ومركزًا للفؤاد واللبّ
[10] والتعقُّل متمركِز به، فالقلب هو رئيس الجسم بنصّ الحديث، وصلاحه بصلاح معتقده وإرادته وقصده، وكلها حكمها للتعقل؛ فلزم أن يكون متمركزًا به.

وحيثما ذكر القلب في القُرآن الكريم فإشارة إلى التعقُّل والتعلُّم، وحيثما ذكر الصَّدر فإشارة على ذلك وإلى سائر القوى من الشهوات والهوى والغضب ونحوها، فالقلب موضع الشعور والأهواء والعقيدة والوجدان[11]، والعقل والرأي[12]؛ قال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 179]، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46]، فهو محلّ العقْل والفقْه والبصيرة والإرادة والسكون، وهو رئيس البدن وخالص الروح الإنسانية؛ لذا قال أبو حامد الغزالي: "هو المدرك العالم العارف من الإنسان، وهو المخاطب والمعاتب والمطالب"[13]، فالقوَّة المدركة بالقلب الصنوبري تسمَّى قلبًا.

ويرِد القلب في القرآن على معان ثلاثة[14]:
أوَّلها: العقْل، وذلك في مثل قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37]؛ أي: قلب زكيّ حي ذكيّ، يتذكَّر إذا سمع كلام الله، وإلا فوجوده من عدمه سواء؛ لأنه معطل عن جانبه المعرفي والإرادي، قائم بدوْرِه الجسماني فقط، وهذا شائع في استِعمالات العرب في حال من لا يتَّعظ[15].
الثاني: الرأي والتدبير، {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر: 14]، وذاك سبب شقاقِهم؛ لأنَّ نواياهم متضادَّة، وتوجهاتهم متناقضة.
الثالث: حقيقة القلب الذي هو في الصَّدر؛ {وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

وهذا كله يناقض النظرية القائلة بأنَّ العقل وظيفته الإرادة والتفكير وعملياته، والقلب وظيفته العاطفة والأحاسيس الوجدانية، فلا أساس علمي ترتكز عليه هذه النظرية يمكن الركون إليه، فضلاً عن أن يعتقد ويتبنَّى.

وخلاصة المسألة حول مفهوم القلب هي: القلب له دلالتان:
الأولى: هي الجارحة الصنوبريَّة الجسمية، وهذه لم ترِد في القرآن الكريم.
الثانية: قوَّة الجارحة، وهي اللطيفة الربانية الموجودة به، وهي عبارة عن التعقُّل وجميع آلياته من تفكّر وتدبّر ونظر وإدراك، وهذا هو الجانب المعرفي في القلْب.

وقد يطلق على القلب عقلاً، مثْلما أطلق على الأذن السمع، فسمِّيت الجارحة "الأداة" بوظيفتها، وقد تذكر الجارحة والمراد وظيفتها، خاصَّة في القرآن؛ لأنَّه لم يورد الأدوات من الناحية التشريحية بل من النَّاحية الوظيفية فقط، غير أن العقل هو أحد القوى الإدراكية لا كلها؛ فهناك الفكر والذاكرة والحافظة والفهم وغير ذلك.

كما أنَّ للَّطيفة الربَّانية الجانب الثاني وهو العاطفة والوجدان، من شهوات وهوى، فللقلب جانبان هما العقل وهو المانع، والهوى وهو المريد، وينتج عنهما الإرادة التي يتولَّد بعدها العزم، فيصدر القلب الأوامر للأعضاء بالجسم؛ كيما تنفذ تلك الإرادة بعد تداولها بين العقل والعاطفة، وهنا نريد بالعقل المعلومات الكامنة بالقلب والعمليات العقليَّة معًا[16]، فالقلب هو أداة وظيفتها المعرفية التعقل كما أن الأذن أداة وظيفتها المعرفية السمع، والعين أداة وظيفتها المعرفية البصر[17].

الفرع الثاني: المصطلحات المرادفة للقلب في القرآن الكريم:
إذا تتبعت الآيات بالقرآن باحثًا عن المفاهيم المعرفية وجدت قسمين: أدوات لها وظائف، كالحواسّ تذكر الأداة الجارحة ويتلوها وظيفتها، وقد تذكر الوظيفة دون أداتها؛ لأن الغاية والمراد الجانب العلمي والعملي لا الجانب المادّي الجسمي،كما قد تذكر الوظيفة بذكر الأداة فقط، دون التصريح بعملها، كناية عن الوظيفة، وهذا يجليه السياق؛ وذلك لتضمنه لها، وبيان الغاية من الأداة، وهذا من أساليب اللغة المعروفة ومما تداوله المفسّرون، مثال ذلك آية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37]، فمعلوم قطعًا أنَّ الذكرى لا تكون إلا للإنسان الحي، والميت لا يخاطب أصلاً، ولا يخلو إنسان - حيًّا أو ميتًا - من قلب، فالمفهوم الثابت عند أهل العربية أنَّه لمن كان له (قلب يتذكَّر)؛ ويستجيب للخطاب، فإن لم يستفد من الخطاب فعدمه ووجوده سواء، فكينونة القلب الوجودية بكينونة غايته المعرفية، وهذا الأسلوب كثير في القرآن ولغة العرب بل وفي أعراف الناس عامة، ورأيناه مع نفْي السَّمع والبصر في القرآن، ومثله نسبت أفعال العبد إلى يديه مع أنَّها قد تكون بجوارح أخرى، فكانت النسب للأغلب، وكقولنا للذي لا يرحم: إنَّ قلبه ميت، ولا يفهم الغبي فضلاً عن الذكي أنَّ قلبه لا ينبض.

فالقلب في (ق: 37) قال أهل التفسير: إنَّ المراد منه العقل؛ أي: أحد وظائفه، وهذا في اللغة يسمَّى إطلاق الكل وإرادة الجزء منه، ويفهم بالسياق واللحاق، فالمراد "العقل" من القلب بالسياق، وهو الذكرى وفهم الوحي، فهذه لا تكون إلاَّ بالقوة العلمية بالقلب؛ أي: قوة العقل وهي التعقل.

نحاول جمع الأدوات التي نسب لها بعض وظائف القلب الإدراكية، مما يفهم من ذلك أنها مرادفة له لا شيء خارج عنه؛ وذاك لأن القرآن حصر أدوات تحصيل المعرفة في ثلاثة لا رابع لها، وهي القلب والأذن والعين.

أ- الفؤاد عند أهل اللغة:
هو الحُمّى وشدة الحرارة
[18]، والفؤاد القلب، سمِّي بذلك لحرارته[19] وتوقُّده، وقيل: هو غشاء القلب، وقيل: الفؤاد هو باطن القلب، والقلب حبَّته وسويداه، والفؤاد الرَّقيق تسرع إمالته، والفؤاد الغليظ كالقلب القاسي لا ينفعل لشيء[20]،[21].

وإطلاقه كان على المعنوي لا على الجارحة، وبهذه الدلالة الخاصة ورد في القرآن مفردًا وجمعًا في "16" آية، ليس فيها ما يمكن أن يفهم أو يُحمل على معنى العضو المعروف، بل على اللطيفة الربَّانية؛ قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36].

وقال: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].

قال ابن كثير - بعد أن ذكر مِنَّة الله تعالى على عباده بإيجادهم -: ثمَّ بعد هذا يرزقهم تعالى السمع الذي به يدركون الأصوات، والأبصار التي بها يحسّون المرئيات، والأفئِدة وهي العقول التي مركزها القلب على الصَّحيح[22].

وقال ابن عاشور: الأفئدة: جمع الفؤاد، وأصله القلب، ويطلق كثيرًا على العقل وهو المراد هنا[23].

غير أنَّ "الفؤاد" ورد كمفهوم طاقة، أو ملكة، وبالأحرى وظيفة معرفية إدراكية، حيث نجده يقرن مع وظيفة السمع والبصر؛ أي: مع قوى الإدراك لا مع وسائلها.

فالقلب - مثلاً - حمل على أنَّه أداة للمعرفة؛ {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 179]؛ أي: آلة الفقه القلب وآلة البصر العين.

والفؤاد كلما ورد في سياق الامتنان بمنح الإنسان العلم وأدوات تحصيله وطرقه، كان على أنه ملكة أو وظيفة أو قوَّة إدراكية؛ كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36].

فقوى تحصيل المعرفة هي السمع والبصر والفؤاد، غير أنَّه لم ترد آية واحدة في سياق الامتنان جمعت فيها الحواس مع القلب، بل كان الجمع معه في مقام الذَّمّ دائمًا، إما بالإنكار أو التَّحقير أو إقْفال طرق العلم بالطبع أو الختم أو الغشاوة، فما علاقة الفؤاد بالقلب؟

عند أهل التفسير، حول آية (الإسراء: 36):
الفؤاد هو القلب، والسمع والبصر والفؤاد حواس لإدراك المعرفة[24].
يسأل الله السمع: هل كان ما سمعه معلومًا مقطوعًا به؟ والبصر هل كان ما رآه ظاهرًا بينًا؟
والفؤاد هل كان ما فكره وقضى به يقينًا لا شكَّ فيه، فالفؤاد هو الَّذي به الإنسان يشعر ويدرك[25].
المراد بالسمع آلته، وبالبصر آلته، وهذا معلوم في اللغة بل في استعمالات القرآن.

قال الراغب: السمع قوَّة في الأذن، ويعبر تارة بالسمع عن الأذن؛ {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7][26]، والبصر يقال للجارحة الناظرة، وللقوة التي فيها[27].

نستنتج أنَّ المراد في آية (الإسراء: 36) آلات الإدراك؛ أي: الجوارح، لكن عبَّر بالقوى الموجودة في تلك الحواس؛ أي: بالإدراك الحسي بدلاً من الحاسَّة، وذاك نحسبه - والله أعلم - لقطع إشْكال أن تُخلق الأذُن والعين لكن دون قوَّة للإحساس، بأن يكون صاحبها أعمى أو أصمَّ؛ لذا ذكرت قوة الأذن وقوة العين الإدراكية، وهذا قطعًا يثبت الجارحة؛ لأن من سمع ضمنًا له أذن، لكن ليس كل صاحب أذن يسمع، ومثله في الأصم.

فالمراد في آية الإسراء: الحواس، غير أنه عُبِّر بقواها لنفي تعطُّلها خِلْقة عن أداء وظيفتها، فلزم من ذلك أن الفؤاد هو قوة القلب الإدراكية.

باستقراء آيات الفؤاد في القرآن ومقارنتها مع آيات القلب نلاحظ ما يأتي:
1- اختصاص الفؤاد بالرؤية؛ {مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11]، وفي تفسيرها على قولين[28]:
أ- من شدَّد "كذَّب" قال: ما أنكر الفؤاد ما رأته العين.
ب- من خفَّف قال: أراد: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير، بل صدَقه الفؤاد الرؤية، فالفؤاد محلّ لرؤية الحق، أمَّا القلب فخصَّ بالبصيرة؛ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]، {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، ولا يقال: أعمى إلا لمن كان ذا بصر وفقده، فدلَّ على أنَّ القلوب المخالفة لتلك - الموصوفة في الآية - مبصرة وذات بصيرة.




تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2011, 12:07 PM   #9
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم


2- اختصاص الفؤاد بالكذب، بينما وصف القلْب بالزيغ والإنكار والظَّنّ والعمى والنفاق.

3- وصف الفؤاد بالفراغ والهواء: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} [القصص: 10]؛ وفي معنى الفراغ أقوال، غير أنَّ كلَّها تدل على أنَّ سبب الفراغ الخوف، قال الرازي: القلب الفارغ من كلّ همّ إلاَّ من موسى[29]؛ أي: فرغ من أمور الدنيا كلها لانشغالها بولدها، وقال الزَّمخشري: فارغًا من العقل؛ أي: طار من فرط الجزع والخوف[30].

وقال تعالى: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [إبراهيم: 43].

يقال: هوى صدره يهوي إذا خلا، والهواء: الجبان لأنه لا قلب له[31]، فأفئدتهم فارغة من شدة الخوف.

قال السعدي: فارغة من قلوبهم، قد صعدت على حناجرهم، لكنَّها مملوءة من كلّ همّ وغمّ وحزن وقلق
[32].

أمَّا القلب فقد وصف بالخوف والخشية والوجَل والوجف والرعب.

4- وصف الفؤاد بالهوى والصغْو، وكلاهما بمعنى الميل نحو أمرٍ ما؛ قال تعالى: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37]؛ أي: تنزع إليهم، يقال: هوى نحوه إذا مال[33].

وفي الصغْو: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} [الأنعام: 113]، وهنا اشترك مع القلب في هذا، {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، فالصغْو: الميل، يقال: صغى إليه يصغي: إذا مال[34].

أمَّا القلب فاختصَّ بالحمية والإنابة والزيغ.

5- وصف الفؤاد بالتثبُّت: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120].
قال ابن عباس: نثبِّت: نسكن، وقال الضحَّاك[35]: نشدّ، وقال ابن جريج[36]: نقوّي[37].

أمَّا القلب فوصف بالاطمئنان والسكينة والإخبات والخشوع.

6- وصف الفؤاد والقلب معًا بالتقلُّب: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]؛ أي: نصرفها من رأي لآخر من شدَّة حيرتها، وذاك عقاب لهم بالحيلولة دونهم ودون الإيمان وبلوغ اليقين[38]، فالحيرة هنا نتيجة الشك.

أمَّا التقلب للقلوب: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور: 37]، من شدة الهول والخوف المزعج للقلوب
[39].

فرغم أنَّ كليهما وصف بالتقْلب غير أنَّ تقلّب الفؤاد كان تقلّبًا لقوى الإدراك، أما القلب فكان لقوى الإرادة؛ أي: إن الفؤاد تقلبه معرفي، أمَّا القلب فوجداني ومشاعري.

يظهر من كل ما طرحنا من خصائص للفؤاد جليًّا أنَّه الجزء الذي تتعلَّق به القوى الإدراكية من القلب، حيثما ذكرت القوى الإدراكية في مقام المِنَّة والتذكير بنعم الله كان الفؤاد والسمع والبصر.

وإذا ختم فالختْم على القلب، وهذا يشمل الفؤاد؛ أي: قوَّة الإدراك فيه، ويشمل القُوى الأخرى بالقلب المتعلِّقة بتحصيل الخير، كما أنَّ الكلَّ وهو القلب ذكر حال العقاب دون ذكر الجزء منْه وهو الفؤاد؛ لأنَّ الفؤاد ليس وحْده المكتسِب لتلك الخطايا الموجبة للختم والطبع، بل حتى لما عوقب الفؤاد بالتقلب كان لكفر القلب بما اتَّضح للفؤاد، وعقد القلب الإرادة على العصيان والنفاق والضلال، فالقلب هو الموصوف بالكسب والتعمد والقصد والإرادة، والعقاب يكون على الفعل وهو الإرادة، واليقين وهو معيار معرفي كان من خصائص الفؤاد، فالوحي ذكر الله تعالى أنه ينزل على القلب، أما ثباته والتيقن منه فكان من خصال الفؤاد.

وآكد حجّية من ذلك كلّه اقتران قوى الإدراك مع بعضها، وآلاتها مع بعضها، فاقترن القلب مع العين والأذن؛ {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

حتَّى إذا ذكر السَّمع والبصر بدلاً من الأذُن والعين، فكل المفسرين على أنَّ المراد الجارحة لا القوَّة.

أمَّا إذا ذكر الفؤاد فاقترانه مع قوَّة الأذن السمعية وقوَّة العين البصرية، وإن فسرها الكثير على أنَّ المراد الجارحة من السَّمع والبصر، غير أنَّ ذكر القوَّة المدركة بدلاً من آلتها في القرآن ليس عبثًا، وإنَّما المراد منها بيان الغاية من خلق الآلة وإبراز وظيفتها، وأنَّه دونها لا قيمة لها، بل هي في حكم العدم؛ لذا كلَّما ذمَّ الله المعطلين لقواهم الإدراكية عن بلوغ الهدى ذكر الجوارح، وكلَّما امتن على المؤمنين بما منحهم من الهداية وأسباب تحصيلها ذكَر القوى المدركة في الجوارح.

فالفؤاد هو الجانب المدرك في القلب، وهو محلّ الفهم والتفكّر والرَّأي؛ لأنه وصف بالتقلب؛ أي: الحيرة والشك وعدم اليقين، والانتقال من فكرة لأخرى، ومن رأي لمثله.

وهذا رأي بعض أهل التفسير: "ويسأل الفؤاد هل كان ما فكره وقضى به يقينًا لا شك فيه، فالفؤاد هو الذي به الإنسان يشعُر ويدرك"[40].

كما أنَّ المسؤولية لا تلقى على المكلف إلا وشرط قيام التكليف عليه قائم، مع تهيؤه لما كلف به؛ كيما تنتفي المشقَّة عنه؛ لئلا تكون له حجَّة على المُكَلِّف، وهو الله تعالى هنا، وأهمّ الشروط القدرة على إدْراك التكليف، وعلى فعله، أمَّا الفعل فهو من اختِصاص أعضاء الجسم المجنَّدة للقلب كافَّة، وأمَّا الإدراك فكان للسَّمع والبصر والفؤاد هنا، فإن علمنا قطعًا أنَّ السَّمع قوَّة محسَّة للأصوات، والبصر قوَّة محسَّة للمرئي، وهذه لها علاقة بما هو خارج النَّفس المدْركة؛ أي: عالم خارج ذهن الإنسان[41]، فالفؤاد لزومًا هو الجانب المقابل للجهة الخارجية، والسمع والبصر وسائله للاتصال بما هو خارج عنه.

ينتج من ذلك أن الفؤاد هو المدرك لما خرج عنه، وهو المفكر والمتفهم والمسيطر على الجانب المعرفي، وهو أحد طرفي القدرة التي سيسأل عنها، فشرط قيام حجة الخطاب فهمه، والعقاب على من لم يستجب بعدها لمن كانت له القدرة على الفعل، وبين الإدراك والفعل هنالك الإرادة ومحلها القلب، وهو مخير فيها محاسب عليها.

فالإدراك قواه ثلاثة: السمع والبصر والفؤاد، وكلّها من شأن النفس المدركة بالقلب، وهذا ما لم نجِد حوله خلافًا يقوم معه؛ لذا قال الغزالي: اعلم أنَّ محلَّ العلم هو القلب[42].

وقال ابن القيم: "رأى" لما يُعلم بالقلب ولا يُرى بالعين، ولكنَّهم خصُّوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمّل، وطلب لمعرفة وجه الصواب، مما تتعارض فيه الأدلة[43].

قال صاحب "دليل الميزان": "التعقل والسَّمع في الحقيقة من شأن القلْب؛ أي: النَّفس المدركة[44].

بل فسَّر الزمخشري فراغ فؤاد أم موسى بأنه فراغ من العقل؛ أي: إن العقل محلّه في الفؤاد من القلب.

والرازي نقل أنَّ أحد الأقوال: أنَّه فارغ ممَّا أوحي إليه، والفراغ هنا يقابله الثبات؛ لذا قال تعالى بعدها: {لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} [القصص: 10]؛ كيما تصبر وتسكن.

كما فسَّر ابن كثير[45] أنَّ الفراغ كان من كل شيء من أمور الدنيا إلاَّ من موسى، ونسب هذا القول لابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحَّاك والحسن البصري وقتادة.

فخلوّ الفؤاد هنا كان من كلّ المعلومات، والرَّبط على القلب كان لئلاَّ تبدي بموسى أنَّه ولدها لا لِمَلأ الفراغ؛ لأنَّ صبرها لا ينفي حزنها واستمرار قلقها، ما دامت لم تتحصل عليه، ويرجع لها معاينة.

نفهم من هذا أنَّ القوى المدركة بالفؤاد، وقوة السمع المدركة، وقوة البصر المدركة بالقلب، فالأذن (السمع) ناقلة للأصوات، والعين (البصر) للصور، والفؤاد هو المدرك لها والفاهم والمفكر.

وهنا نوضّح أنَّ السمع قوَّتان: قوة استقبال للأصوات؛ أي: القوة الحسية وهي من خصائص الأذن، وقوَّة إدراك المسموع، والإدراك هنا عبارة عن كمال يحصل به مزيد كشف على ما يحصل في النفس من الشيء المعلوم؛ أي: إنَّه كمال زائد على كل ما حصل من الحواس واحدة واحدة.

فأوَّل مراتب العلم هو الشعور، وهو إدراك من غير إثبات، فكأنه إدراك متزلزل، قبله يكون الإحساس وهو إدراك الشيء مكتنفًا بالعوارض الغريبة واللواحق المادّيَّة، مع حضور المادَّة ونسبة خاصَّة بينهما وبين المدرك.

والإحساس للحواسّ الظَّاهرة، أمَّا الإدراك فللقلْب أو العقل أو اللَّطيفة الروحانية النفسيَّة، وقد صرَّح المحقِّقون بأنَّ القوى الجسمانيَّة آلات للإحساس، والمدرك هو النَّفس، ففعل القلب المعرفي الإدراكي يبتدئ من حيث ينتهي الحسّ؛ لذا قيل: "بداية العقول نهاية المحسوسات".

بهذا اتَّضح أنَّ نقل الصوت والصورة من الخارج إلى النفس المدركة لا يستلزم الإدراك، فليس كل مرئي أو مسموع مدرَكًا، وذلك لعوارض كثيرة، غير أنَّ كلَّ مدرك من الخارج لا بدَّ أن يكون محسوسًا، وسنبين ذلك أكثر في علاقة الحس بالعقل معرفيًّا.

نخلص إلى أن فهم المسموع أو المرئي بالقلب، والخطاب الإلهي موجه لفهمه، ومعجزاته المخلوقة جعلت مبصرة؛ ليفهم وجه الاستدلال منها؛ لذا كان كل إثبات أو مدح للسمعأو البصر إنَّما هو لإدراك الغاية من المسموع والمبصر، وإلا صارت هذه القوى لا تتجاوز درجة الإحساس والشعور وهذا نصيب البهائم، فهي ذات سمع وبصر وقلب، لكن لم تمنح الفؤاد، وهو من القلب.

فتأمل تشبيه الله تعالى للكفَّار بالأنعام بأنَّ لكل واحد منهم قلبًا وأذنًا وعينًا، غير أنَّها معطَّلة عن الفقه والسَّمع والبصر، ولن يقول أحد إنَّ البهائم كلَّها لا تسمع ولا تبصر ولا تشعُر بما حولها من غذائها، ومسار حركتها، وبمن حولها من جنسِها، بل وبمن هو خطر عليها ومَن لا يهدِّدها، بمعرفة أعدائها وما هو من جنسها، وأنَّها لا تشعر بالفزع والخوف، بل هي تملك حتَّى الذكاء والذاكرة، وأقل من ذاك تشعر بوجود ذاتها وجسمِها.

لكن المراد نفْي الإدراك الزَّائد عن درجة الإحساس والشعور، وهذا منتفٍ؛ لأنه لا فؤاد لها؛ أي: لا تملك قوى الإدراك والتفكير والتأمل والتحليل، وليست مهيَّأة للعلوم؛ لعدم وجود المحل الذي يستوعب ذلك كله وهو الفؤاد.

فالله أثبت للبهائم قلوبًا لكن لم يثبت لها فؤادًا في القرآن الكريم؛ لأنَّ الفؤاد مناط تكليف ومسؤوليَّة؛ {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36]، والتكليف مرفوع عن البهائم؛ فلا مسؤولية عليها، فلا حاجة لها بالفؤاد مناط التكليف.

ومعلوم بإجماع العلماء والعقلاء أنَّ مناط التكليف والمحاسبة هو العقل؛ أي: كمال الإدراك والفهم بعد البلوغ بإدراك الخير والشرّ والتمييز بينهما، فكان لزامًا أنَّ العقل مستقرُّه بالفؤاد في القلب، وإن كان التعقّل والتفقّه نسب للقلب دون الفؤاد في القرآن الكريم؛ حيث لم ينسب التعقل للفؤاد بصريح العبارة، لكن يفهم من آية تقليب الأفئدة، والمسؤولية الملقاة على الفؤاد، وتثبيت اليقين به، وفراغه وامتلائه بالمعلومات من وحي ومعارف.

وقد يكون تخصيص العقل بالقلب، والإدراك وآليات التفكير بالفؤاد دليلَ اشتمال العقل -كفعل قلبي - لقوى الإدراك من سمع وبصر وفؤاد - والله أعلم.

فالعقل هو الحاكم والقاضي والمتحكم وشاهد على القوى الإدراكية، فهو الفاصل بالفعل أو الترك، وهذا له علاقة بالإرادة وهي ليستْ بالفؤاد.

ننبِّه إلى مسألة العلاقة بين الفؤاد والقلب: قيل في العلاقة: إنَّ الفؤاد غشاء القلب؛ أي: حاوٍ له، وقيل: هو باطن القلْب؛ أي: محتواه، وقيل: هو حبَّة به؛ أي: من محتوياته[46].

فهل الفؤاد هو القلب؟ أم جزء منه؟ أم القلب جزء منه؟

من استِقْراء آي القرآن وكلام العلماء حولهما، يظهر أنَّ الفؤاد جزءٌ من القلب؛ لأسباب هي:
1- وصف الفؤاد بقوى إدراكية وفقط، بينما وصف القلب بذلك وبقوى إرادية من طباعوشهوات ومشاعر.
2- أن القلب أُثبت في القرآن للبهائم، وأجمع النَّاس على أنَّها لا تعقل؛ فدلَّ على أنَّها لا تملك قوى العقل ولا محلّه وهو الفؤاد.
3- اقتران لفظ القلْب دائمًا بآلات الإحساس الجارحة: الأذن والعين، بينما يقترن الفؤاد بقواها الحسية والإدراكية: السمع والبصر.
4- تقليب الفؤاد – أي: آرائه - كان جزاء عن عدم الإيمان، والإيمان نسب إلى القلب، وهو يشمل التَّصديق والإقرار والطَّاعة بعد الفهم ثمَّ العمل، وهذا كلّه ليس للفؤاد منْه إلاَّ الفهم وآلياته.
5- التَّمكين من العلم يكون بالسَّمع والبصر والفؤاد، لكن إذا اجتمع ذلك مع الجحود كان كمال القوة العلمية مع نقص القوة الإرادية الإيمانية، وكلاهما جزء من أعمال القلب.
6- الختم والطبع والقفل والوقر والأكنَّة، كلها لصور العقاب الذي وقع على قوى الأعضاء الجارحة، بدليل أن المعاقب أدوات المعرفة فيه سليمة، والمسؤولية لم تسقط عنه حتَّى بعد العقاب، لزم حتمًا أنَّ آليات الإدراك وقواها تعمل، فما الذي طبع وأقفل إذًا؟ ما طبع جزء من كلّ؛ أي: إنَّه هو والقوى الأصلية (الفؤاد، السمع، البصر) محتوى ضمن كلّ؛ هو القلب، ولما انتفت الغاية الأخروية وهي علَّة خلقه، نُفِيَت عنه الغاية البشرية وهي وسيلة خلافته، وصارت له غاية بهيميَّة وهي وسيلة بقائه.
7- البهائم ذات سمع وبصر وقلب، وذا نصيبها، لكن لم تمنح الفؤاد، وهو من القلب.

فتأمَّلْ تشبيه الله تعالى للكفَّار بالأنعام، بأنَّ لكل واحد منها قلبًا وأذنًا وعينًا، غير أنَّها معطَّلة عن الفقه والسَّمع والبصر، فقلب البهيمة ينقُصه فؤاد، وقلب الكافِر يلزمه إعماله ليكتمل، والنَّاقص جزء من كل.

ب- اللُّبّ:
العقل الخالص من الشَّوائب، وقيل: ما ذكا من العقل، فكلّ لبٍّ عقل ولا عكس؛ ولهذا علَّق الله الأحكام التي لا تُدركها إلاَّ العقول الذكيَّة بأولي الألباب
[47].

واللب هو القلب الخالص، وخالص القلب، ويكنى به عن العقل لأنه خالص القلب والخطاب موجه له، واللبيب العاقل، وألبَّ به لبَّا، إذا أقام به، والملبوب: الموصوف بالعقل[48].

فأصل اللُبّ من أَلَبَّ، وهو كاللَّب - بالفتح - بمعنى الملازم، وبالضم بمعنى الخالص من كل شيء، وهو قلب كل شيء وعقله[49].

فخالص كل مادة قلبها، وخالص القلب في الإنسان عقله، لذا فُهم اللب في الإنسان على أنه عقله، فسمي العقل لُبًّا؛ وذلك لأن الخطاب يوجه لقوَّة واحدة من بين قوى القلب، وهي القوَّة العاقلة – أي: العقل - فاللبّ أصل يدور على معاني اللزوم والثبات وعلى خلوص وجَوْدَة
[50].

ورد لفظ اللبّ في القرآن الكريم في صيغة الجمع المضاف لاسم الإشارة؛ دلالة على الاختصاص والاستحقاق، مثل ذاك قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68]؛ أي: صاحب علم، وهذا أرفع من لفظ "عالم"؛ لاختصاصه بالعلم دون غيره.

وفي ورود اللبّ بصيغة الجمع نكتة بلاغية - ذكرت في الفصل الأوَّل - فائدتها انتفاء الثقلفي النطق.

باستقراء آيات اللبّ في القرآن نلاحظ تخصيصه بأمور منها:
1- منح أولي الألباب صفات خاصَّة بهم دون غيرهم، وأخرى شرط في انتسابهم لهذه الخاصية، منها الإيمان والهداية، والتقوى والعلم، والتفكر في خلق الله تعالى، والتدبر في وحيه.

{يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، {هُدًى وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [غافر: 54]، {وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [إبراهيم: 52]، {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100]، {لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 29].

2- التذكر والعبرة صفة خاصَّة خالصة لأولي الألباب؛ {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة: 269]، وفي [آل عمران: 7]، وقوله: {وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [ص: 43]، و [غافر: 54].

أمَّا الاعتبار: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف:111]، وإن لم تكن خاصًّا بهم وحدهم فهي كذلك لأولي الأبصار.

والتذكُّر كان في جميع الآيات أعلى من درجة التفكر، وهذه عملية تكون في الآيات الكونية، يليه التدبر في الآيات المتلوَّة، كما أنَّ التذكّر من أعلى مراتب العلم، وهو من أعلى مراتب الإيمان؛ لقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ}، بعدها: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [إبراهيم: 52].

فليس كلّ مَن علِم يتذكَّر، غير أنَّ كلَّ متذكِّر ضمنًا هو عالم بما تذكَّر.

وقوله: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]؛ فليس كل مَن آمن يتذكَّر؛ لأنَّ التذكّر مرتبة لاحقة تدلّ على زيادة الإيمان عن درجته الأولى.

فالقلْب خصَّ بالفقه والعقل، واللّبّ خصَّ بالتذكّر، والفؤاد بالرؤية.

فاللّبّ يمثّل خالص القلْب، بل خالص العقل، والتذكّر أعْلى من الفقه والتعقّل والرؤية، ومن التفكّر؛ لذا نجد في آية القصاص: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} [البقرة: 178]، فكان هنا لا بدَّ من طرح سؤال، وهو: كيف يليق بكمال رحمتِه إيلام العبد الضعيف؟




تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2011, 12:25 PM   #10
إحصائية العضو
تـــراب
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية تـــراب
إحصائية العضو


افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم


لأجل دفع هذا السؤال؛ ذكَرَ عقب بيان أحكام القصاص حكمةَ تشريعه، وهي ضمان بقاء الحياة للذين يقيمون حدود الله، وهذه ما يعقِلُها إلاَّ أولو الألباب؛ لإبصارهم العواقب من تَجاربهم في الدنيا، وفهمِهِم لسلوك النَّاس وعادات مجتمعاتِهم، ويعلمون أثر الخوف من العقاب، والرَّدع الناتج من ذاك، فإذا أراد أحدٌ الإقدام على قتل آخر عدوٍّ له، وعلم أنَّ القصاص سيقع عليه، صار ذاك رادعًا؛ لأنَّ العاقل لا يريد إتْلاف نفسه بإتلاف غيره، فإنْ خاف ذلك كان خوفه سببًا للكف ودوام الحياة له ولغيره، وقطعًا للثأر، فمن لا عقل له يهديه إلى هذا لا يخاف ولا يدرك سرَّ الأحكام؛ لذا خصَّ الله تعالى أولي الألباب بإدْراك الحكمة من تشريعِه.

فالتذكّر والتفكّر منزلان يثمِران أنواع المعارف، وحقائق الإيمان والإحسان، والعارف لا يزال يعود بتفكره على تذكُّره والعكس؛ حتَّى يفتح عليه.


فالتفكر التماس الغاية من مبادئها، وهو تلمّس البصيرة لاستدراك البغية، أمَّا التذكّر فوجود، فهو تفعل من الذكْر ضد النسيان؛ أي: حضور المذكور من الصور العلميَّة في القلب، واختير بناء التفعّل لحصوله بعد مهلة وتدرّج كالتصبر والتفهّم والتعلّم
[51].

فيكون بذلك أولو الألباب هم خلاصة ذوي العقول، فهم من يستحضرون العلوم بعد التفكر والتبصّر فيها وحفظها، فيتجلى لهم ما لا يطلع عليه غيرهم.

3- أولو الألباب هم خاصَّة عباد الرحمن الذين أقبلوا على طاعته، وتزوَّدوا بالتقْوى، وآمنوا وعلموا، ثمَّ تفكَّروا وتدبَّروا، فخصَّهم الرحمن بإدراك أسرار التَّشريع، وحِكم الأحكام دون غيرهم؛ {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، وقال {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}
[52] [البقرة: 197]، {يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة: 269].

فهُم ذوُو الحكمة والرسوخ في العلم؛ لذا ناط بهم خاصيَّة التذكّر؛ لأنَّهم اختصُّوا دون غيرهمباللّبّ، وإذا قيل: إنَّ اللُّبَّ هو العقل، فهنا إشكال وهو: إذا كان لا يصح خطاب إلا العقلاء، فما الفائدة في قوله "أولي الألباب"؟ هنا يعلم أنَّ اللب هو العقل الخالِص من الشوائب، وليس كل صاحب عقل صاحب لب، كما أنَّ الخطاب في الآية كان المراد منه التَّنبيه على أولي الألباب بأنَّهم تلحقهم لمكانتهم العلميَّة تبعة المحاسبة والرّقابة، فهم أعْلم النَّاس بمراد الله تعالى، فكان لا بدَّ لهم أن يكونوا أسبق النَّاس عملاً بذاك
العلْم، وإعراضهم أقْبح من إعراضِ غيرِهم؛ لعظم الحجَّة القائمة عليْهِم مقارنة بغيرهم.

ج- الأبصار:وهي البصيرة، وقد وردت بصيغة الجمع في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]، قال الراغب: يقال لقوَّة القلب المدركة: بصيرة، ولا يكاد يقال للجارحة: بصيرة، وقلَّما يقال: بَصُرت في الحاسَّة، إذا لم تضامّه رؤية القلب
[53].

ولأنَّ البصيرة كانت بمعنى قوى الإدراك نجد تفسيرها لا يتجاوز ذلك، قال الطبري في معنى "لأولي الأبصار": ممَّن له فهم وعقل
[54].

والبصيرة فعلها ووظيفتها التبصر، وهذه درجة قبل التذكر؛ فهي نور في القلب يبصر به، فيقوم في قلبه شواهد الحق، ويرى حقيقة ما يبلغه ويخبر به عن طريق الرسل، فالبصيرة ما خلصك من الحيرة، إما بإيمان أو عيان.

قال ابن القيم عن صاحب "المنازل": "البصيرة ما يخلصك من الحيرة، وهي على ثلاث درجات:
الأولى: أن تعلم أنَّ الخبر القائم بتمْهيد الشَّريعة يصدر عن عين لا يخاف عواقبها، فترى من حقِّه أن تؤديه يقينًا، وتغضب له غيرة.

والدَّرجة الثانية: أن تشهد في هداية الحقّ وإضلاله إصابة العدل.

والدَّرجة الثَّالثة: تفجر المعرِفة، وتثبت الإشارة وتنبت الفراسة
[55].

والله جعل العمى للعَين عدم إدراك المرئيات واستقبال الصور، والجهْل عمى القلب؛ أي: فقدان لبصيرته؛ {وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]؛ أي: الإدراك التام إنَّما يكون بالقلب وتعطّله بعمى القلب، والعمى لا يطلق إلا على البصر، فكانت الأبصار في "أولي الأبصار"، فهي إحدى قوى القلب لرؤية الحق وفهم الحجة؛ فالعمى هنا أصاب بصيرة القلب.

وفي آية النور كان السياق يدل على طلب النَّظر في الآيات المشاهَدَة؛ لإدراك الحقيقة واتباع الحق، تأمل قوله تعالى: {
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} [النور: 43، 44]؛ أي: ألم تر وتنظر متأمِّلاً إلى ما حولك من المشاهد، التي منها سَوْق السحاب المتفرق وجمعه ثم إنزال المطر الغيث منه، فينزل خيره على من يشاء الله، ويمتنع عمن شاء، على مقتضى حكمته - جل وعلا؟!

ثم قال "يقلب الليل والنهار"، وهذه حركة الزَّمن المشاهَدة بالعين الباصرة، فكان فيها عبرة لذوي البصائِر؛ وهي: القلوب النافذة للأمور المطلوبة منها، كما تنفذ الأبصار إلى الأمور المشاهدة قبلاً، فكانت القلوب مبصرة بتفكرها وتدبرها، فالبصر لا يعمى عن مشاهدة الآيات المخلوقة من سحاب ومطر، ونبات ينمو، وأرض تُسْقَى، وأخرى يُحبَس عنها القطر، وتداول الأيام، وتتابع اللَّيل والنَّهار.

لكنَّ القلوب بصائرُها تعمى عن إدْراك المغزى من المبصرات، وفهْم الرسالة الموجَّهة من الخالق، عبر عظمة مخلوقاته؛ لذا نجِد قوله تعالى: {
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 45، 46].

فمجرَّد سماع القصص، ورؤْية الآثار، والعلم بالأُمم الخالية التي عوقبت لإعراضها، لا خير يرجى من ذاك ما لَم يكن معه عبرة توصل إلى التوبة والتقوى؛ لذا بيّن تعالى أنَّ العمى الضَّارَّ هو عمى البصيرة؛ لأنَّها قوة فقه العبر، والنفاذ إلى المغزى، والتيقُّن من الحق، والطمأنينة بالمعاينة القلبيَّة؛ لذا بعدها يكون التذكر؛ لقوله تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 8]، فالتبصُّر آلة البصر، والتذكرة آلة الذكر، وهما للعبد المنيب التائب، فيبصر مواقع الآيات، ومحال العبر؛ فيزول عنه العمى والغفلة فيتذكر؛ لأنَّ التبصُّر يوجب حصول صورة المدلول بعد الغفلة عنها، فيتذكَّر فيكون من أولي الألباب، وهم أعلى من أولي الأبصار؛ لذا قيل: إن الله يحب ذا البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل الكامل عند حلول الشهوات.

نخلص إلى أنَّ البصيرة خصَّت بالعبرة، واللّبّ خصَّ بالتذكّر، فالبصيرة نورٌ في القلْب؛ لقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، فأمر بالسياحة في الأرض، وتأمّل آثار الأمم الغابرة، وما حل بها بعد أن عمرت في الأرض قرونًا، فذكر ما يتكامل به الاعتبار؛ لأنَّ الرؤية لها حظٌّ عظيم في الاعتبار، مع الاستِماع لقصص مَن مضى، ولكن لا يكمل الأمر إلاَّ بالتدبُّر بالقلب، "وعقل ذلك؛ بأن يعقل التَّوحيد بما حصل له من الاستِبْصار والاعتبار"
[56].

فيكون له قلب يعقل به وأذن يسمع بها؛ لأنَّه إن لم يسعه داعي الاستقلال بالتفكير، وسعه داعي الاستماع والاستجابة للواعظ.

ثم لما كان التعقل والسمع في الحقيقة من شأن القلب؛ أي: النفس المدركة، وهو الذي يبعث الإنسان إلى متابعة ما يعقله أو يسمعه من ناصحه، عدَّ الله تعالى إدراك القلب رؤية له ومشاهدة، ومن لا يعقل ولا يسمع أعمى القلب
[57]، كأنه قال تعالى: لا عمى في أبصارِهم فإنَّهم يروْن بها، لكن العمى في قلوبهم[58].

د- الصدر:
وهو أعلى ومقدَّم كل شيء وأوله، حتَّى إنَّهم يقولون: صدر النَّهار والليل، وصدر الشتاء والصيف
[59].

والصدر من الإنسان والحيوان: ما دون العنُق إلى فضاء الجوف،
وعند الأطبَّاء: قفص عظمي غضروفي يتضمَّن الآلات الرئيسة للتنفُّس والدَّورة
[60].

ورد الصَّدر في القرآن الكريم "44" مرَّة، نسبت له فيها أفعال وصفات يكتسبها، دلَّت على أنَّ له دورًا في الجانب المعرفي، وأنَّه ذو علاقة مع القلب مركز الإدراك، بل بعض الصِّفات التي نسبت للصدْر هي من صفات القلب؛ لذا قال بعض الحكماء: حيثما ذكر الله تعالى القلب فإشارة إلى العقل والعلم، وحيثما ذكر الصَّدر فإشارة إلى ذلك وإلى سائر القُوى من الشَّهوة والهوى والغضب
[61].

فالصَّدر حاوٍ للقلب، والقلب حاوٍ للفؤاد، والفؤاد حاوٍ للُّب، "فالصدر بالنسبة للقلب بمنزلة بياض العين في العين، ومثل صحن الدار في الدار، ومثل الذي يحوط بمكة.. فهذا الصدر موضع دخول الوسواس والآفات كما يعيب بياض العين آفة البثور وسائر علل الرمد"
[62].

وهو موضع الشهوات، والحاجات، والأماني، وولاية النفس الأمارة بالسوء، والوساوس، وهو موضع الإسلام، وحفظ العلم المسموع من أحكام وأخبار.

عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا ينزع الله العلم من صدور الرجال، ولكن ينزع العلم بموت العلماء، فإذا لم يُبق عالمًا اتَّخذ الناس رؤساء جهالاً، فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا))
[63].

فلا انفِكاك بين الصَّدْرِ والقلب، غير أنَّ لكلّ واحد صفات مغايرة مع الاشتراك في أخرى، فهو مقدّمة القلب، ومنْه يصدر الوسواس والخواطر نحو القلب.

من صفات الصدر في القرآن ما يأتي:

1- الانشراح: {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} [النحل: 106]، والانشراح هو التوسعة والفتح والفهْم والكشف[64]، وفي القرآن سورة باسم الانشراح، أو الشَّرح: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الانشراح: 1]؛ أي: ببسطِه لقبول ما سيوحى إليه من العلوم، وقد ورد في القُرآن خمسُ آيات، كلها حوْل شرْح الصدْر بالهداية والنور الإلهي، ومعرِفة الحقّ، وجعْل الصدْر وعاء للحكمة أو وعاء للكفر.

ولم يقرن الشَّرْح بالقلب قطّ؛ وذلك "لأنَّ محلَّ الوسوسة هو الصدر، على ما قال في [الناس: 5]: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}؛ فالصدور بحاجة إلى القوَّة والتوسعة لتكون حصنًا للقلب من أهواء الشياطين"
[65].

أمَّا القلب فوصف بالهداية، والإنابة، والكتابة عليه، والتطهير، والتزيين وغيرها مما يقارب الشرح.

2- الإسلام: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} [الأنعام: 125]، قال ابن كثير: بأن ييسِّره وينشطه ويسهله عليه
[66]، وقال السَّعدي: من انشرح صدره للإسلام اتسع وانفسح، فاستنار بنور الإيمان؛ فاطمأنَّت نفسه بذلك وأحبَّ الخير، وطوّعت له نفسه فعله متلذذًا غير مستثقل[67].

فالإسلام محلّه الصدر، أمَّا الإيمان فمحلّه القلب؛ {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7]، وهناك آيةٌ فاصلة بيْنهما وهي: {وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، فأُثْبِت لهم الإسلام ومحله الصدر، ونُفي عنهم الإيمان في القلب، فالإسلام والإيمان نور الصدر والقلب، وبداية النور علامات الخير والفلاح؛ لذا نجد الرَّازي يقول: فشرح الصدر مقدمة لسطوع الأنوار الإلهيَّة في القلب
[68].

كما أن الآية: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} ماذا يكون؟ في بداية الأمر: {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ}، بعدها الهداية، ولكن لأي شيء؟ {
وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]؛ فالهداية للقلب، والشَّرح كان للصدر، فدلَّ على أنَّ شرْح الصدر بدايته بالإسلام، وهداية القلب يكون بالإيمان، وهو خلاصة الهداية، وبداية الترقِّي في سبُل السَّلام ودرجات النَّجاة.

3- الكفر: {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ} [النحل: 106]؛ أي: أتى الكفر عن اختيار واستحباب منه
[69] واتِّساع للصدر له؛ فالكفر يقابله الإسلام وكلاهما بالصَّدْر، أمَّا القلب فوصف بالنّفاق والمرض والإثم.

4- الضيق: وهو يصاحب الضَّلال: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام: 125]،
قبلها ذكر تعالى أنَّ من يُرِد له الهداية يشرح صدره للإسلام، فكان المقابل: من يرد له الضلال يضيِّق عليه صدره، والضيق ضد الاتساع؛ فهو ضدّ الانشراح، كما أنَّ من معانيه الشَّكّ والبخل والحسرة
[70].

قال ابن كثير في معنى الضيق للصدر: هو الذي لا يتَّسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليْه شيء ممَّا ينفعه من الإيمان، ولا ينفذ فيه
[71].

وهذا للكافر، أمَّا للمؤمن فهو انقِباض الصدْر وغم ممَّا يشهد من المنكرات، {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127]، والإضلال إنَّما يكون للقلب؛ لأنَّه محلّ الهداية؛ لذا وصف الله تعالى عقابه للقلْب بالطَّبع والختْم والإقفال والزَّيغ والصَّرْف.

5- الحرج: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} [الأعراف: 2]، قال القرطبي: أي: لا يضيق صدرك بالإبلاغ
[72]، والحرج هو المكان الضيِّق الكثير الشجر، فهو بمعنى شدة الضيق، أو سبب للضّيق نفسه.

وقال الزجَّاج: الحرج في اللغة: أضيق الضيق
[73]، وهو وليد الشك والخوف، وينتج الهم والغم.

أمَّا القلب فنجده وُصِف بالإثم والقسوة والغلف والقفل، وهذه كلّها تمنع وصول الهدى له.

ووصف الصَّدر بالحصر، وهو من معاني الضّيق: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 90]، والحصر حبس مع تضْييق
[74].

6- وصف الصدر بأنَّه حاوٍ للقلب ولكلّ ما عُلم وللآيات والأخبار؛ قال تعالى: {وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، دلَّت الآية على أنَّ الصدر حاوٍ للقلب، وقال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} [العنكبوت: 49]، {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ} [العنكبوت: 10]، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43]، [هود: 5]، [فاطر: 38]، [الزمر: 7]، [الشورى: 24]، [الملك: 13].

نلاحظ تكْرار لفظ "ذات" مع الصدور، وهي بمعنى الملكيَّة، وتدل هنا على الاشتمال والاحتواء، بدليل قوله تعالى في آية أخرى: {بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ} [العنكبوت: 10] فاسم الصلة دال على الملكية، وحرف الجر على الظرفية.

قال الكفوي: بذات الصدور؛ أي: بواطنها، والذَّات هو ما يصلح أن يعلم ويخبر عنه، وقد يطلق ويراد به الحقيقة، وما قام بالشيء
[75].

أما صيغة "عليم" فهي للمبالغة، وأعلى درجة من قولنا "عالم" أو "ذو علم"؛ لقوله تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76].

فاقترن ما في الصدور بلفظين: "ذات" للدلالة على البواطن والخفايا، و"عليم" وهو دالّ على علم الأسرار، وما خفِي عن الظَّاهر، فنجد قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5]، فالعلن والجهر معلوم للكلّ بالسَّمع، لكن الله استوى عنده السر والجهر، {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} هذا سواء عند الله؛ لأنه {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} [الملك: 13]، فالتحدّي قائم حول ما أُسِرَّ لا ما جهر به؛ لأنه متمكن منه للكل.

نخلص إلى أنَّ "عليم" خصّ بالبواطن والخفايا، ولأنَّ الله تعالى صدَّر تلك الآيات بـ "عليم" و"يعلم" و"أعلم"، فدل قطعًا على وجود معلوم، هو "ذات"، وهذا المعلوم ذكر محله وهو "الصدر"، فالصدر بئر الأسرار والمكتوم، ومحلّ آيات الله تعالى المحفوظة، ومورد الأخبار والعلم، فهو محلّ الذَّاكرة والحافظة، فهو محلّ ما يستَحْفظ ويكتم وهو مقرّ الأسرار، وطبيعة السّرّ أن يحصن ولا يُفْشَى، فكان مَن يصل إليه أكثر من عالم وذي علم، بل هو عليم، حيث علم الظَّاهر والمعلن والمسموع، ثمَّ نفذ إلى ما هو باطن محفوظ ومحصن.

وحصر معنى العليم بما خفي؛ لقوله تعالى: {قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [آلعمران: 29]، ووصفت الصدور بالإكنان وهو الإخفاء؛ {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص: 69].

7- وصف الصدر بأنه محل الوساوس: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5]، والوسوسة حديث النَّفس والشَّيطان بما لا ينفع، أو هو الخواطر الرَّديئة، وأصلُها من الوسواس وهو الصوت الخفي والهمس
[76]، ووصف القلب بإنزال الوحي والإلقاء والتَّزْيين.

8- الصدر محل الحوائج: {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} [غافر: 80]، {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} [الحشر: 9]، أمَّا القلب فوصف بالميل والصغْو والتعمُّد والحبّ والكسْب.

9- وصف الصَّدر بالكبر والغلّ: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56]، والكِبْر الإثم الكبير، والتجبُّر، وردّ الحقّ، والاستعلاء؛ لمرض القلب وقسوته.

والكبر يصدُر عنه الغلّ؛ لذا كان الغلُّ بالقلب والصدْر؛ {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} [الأعراف: 42]، فالنَّزع كان لما في القلب وهو داخل الصدر، أمَّا الكبر فاختصَّ بالصَّدر دون القلب، فلا نجِد داعي الكبر، وهو الغل في صفات الصدر، بل في القلب وحده؛ لأنَّ الكبر صفة مرَضيَّة، والقلْب هو الموصوف بالمرَض في القرآن، والغلُّ من صفات مرَض القلب لا الصَّدْر - والله أعلم.





تـــراب غير متواجد حالياً

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:28 AM

:: الإعلانات النصية ::
منتديات نور الإسلام منتديات سارة المغربية منتديات الدفاع عن الصحابة منتديات إسلامنا



Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.

جميع الحقوق محفوظة لملتقى أحباب الله
ما يكتب في ملتقى أحباب الله ليس بالضرورة أن يعبّر عن رأي الملتقى و إنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط .